سقوط بلا ضجيج: كيف تدمّر الأخلاق المنهارة عقل المجتمع! د. تمام كيلاني

سقوط بلا ضجيج: كيف تدمّر الأخلاق المنهارة عقل المجتمع! د. تمام كيلاني
د. تمام كيلاني

سقوط بلا ضجيج: كيف تدمّر الأخلاق المنهارة عقل المجتمع!

 

د. تمام كيلاني*

 

لا يُعدّ سقوط المجتمعات ظاهرة فجائية أو نتيجة عامل أحادي، بل هو عملية تراكمية معقّدة تنشأ غالباً من الداخل، حيث يسبق تآكل القيم تراجع القدرات المؤسسية والمعرفية. وقد أشار الفيلسوف ابن رشد إلى هذا الترابط البنيوي بين الأخلاق والعقل، معتبراً أن اختلال الأولى يفضي بالضرورة إلى اضطراب الثاني.

فالأخلاق، في منظور فلسفي، ليست مجرد أنماط سلوكية ظاهرة، بل تمثل الإطار الناظم لآليات التفكير وإصدار الأحكام. وعندما تتعرض هذه المنظومة للتآكل، يفقد العقل مرجعيته المعيارية، فينحرف من كونه أداة للتمييز النقدي إلى وسيلة لتبرير الانحراف وإعادة إنتاجه.

في السياقات الاجتماعية السليمة، يؤدي العقل وظيفة رقابية تتمثل في رفض الظلم ومقاومة الفساد والسعي إلى الحقيقة. غير أن هذا الدور يتراجع تدريجياً مع انحطاط القيم، حيث يصبح العقل إما معطلاً أو متواطئاً. وتبرز هنا ظاهرة إعادة توصيف المفاهيم، إذ يُعاد تأطير السلوكيات السلبية ضمن دلالات إيجابية؛ فيُعاد تعريف الفساد بوصفه كفاءة، والظلم بوصفه قوة، والتلاعب بوصفه مهارة.

وتكمن الإشكالية الجوهرية لا في وقوع الخطأ بحد ذاته، بل في شرعنته معرفياً وأخلاقياً. فالتبرير المستمر يؤدي إلى تآكل الحسّ الأخلاقي، ويُفضي إلى غياب الشعور بالذنب، ما يسمح بتكرار السلوك المنحرف وتحوله إلى نمط اعتيادي داخل البنية الاجتماعية.

ويتجلى ذلك في ممارسات يومية متعددة، مثل اختلال معايير الاستحقاق، وتراجع قيمة الجدارة، وتنامي القبول الاجتماعي للكذب كوسيلة نفعية. ومع مرور الوقت، يتحول معيار الحكم من سؤال الحقيقة إلى سؤال المنفعة، بما يعكس تحوّلاً عميقاً في البنية القيمية للعقل الجمعي.

ولا يقتصر انحطاط الأخلاق على كونه ظاهرة اجتماعية تلقائية، بل قد يُعاد إنتاجه وتوظيفه ضمن استراتيجيات السلطة في بعض الأنظمة السياسية. فقد شهدت عدة دول عربية، لا سيما في ظل حكم البعث وعهد عائلة الأسد في سوريا، نمطاً مؤسسياً يقوم على تغذية الفساد بدلاً من مكافحته. وفي هذا السياق، لم يكن انتشار الرشوة أو تغوّل الفساد الإداري والعسكري عرضاً جانبياً، بل أصبح مكوّناً بنيوياً في منظومة الحكم.

لقد اعتمد النظام، خصوصاً في عهد حافظ الأسد، سياسة إدارة الفساد لا القضاء عليه، من خلال غضّ الطرف عن الممارسات غير القانونية، بل وتشجيعها ضمنياً. وقد أفضى ذلك إلى تحويل الفساد إلى أداة للضبط السياسي، حيث يتم السماح للنخب المقربة بالتورط في شبكات فساد، ثم استخدام هذه الانخراطات كوسيلة للابتزاز السياسي وضمان الولاء. وبهذا المعنى، لم يعد الفساد تهديداً للنظام، بل غدا أحد آليات استمراره.

وفي مثل هذه البيئات، يتجاوز تأثير الانحطاط الأخلاقي السلوك الفردي ليطال البنية الإدراكية للعقل الجمعي، حيث يُعاد تشكيل القيم والمعايير بما يتلاءم مع متطلبات البقاء السياسي، لا مع مقتضيات العدالة أو الصالح العام. ويؤدي ذلك، على المدى الطويل، إلى إضعاف الدولة من الداخل، مهما بدت متماسكة على المستوى الشكلي.

إن انحطاط العقل، وفق هذا المنظور، لا يحدث بصورة فجائية، بل عبر عملية تآكل تدريجية ناتجة عن تراكم التنازلات الأخلاقية. ومع تكرار هذه التنازلات، يكتسب العقل قدرة متزايدة على إعادة إنتاج القبح في صورة مقبولة، إلى أن يفقد القدرة على إدراكه أساساً.

ومع ذلك، فإن مسار التدهور هذا ليس حتمياً. إذ إن إعادة بناء المنظومة الأخلاقية تمثل مدخلاً ضرورياً لإعادة ترميم البنية العقلية للمجتمع. فتعزيز قيم النزاهة، وإعادة الاعتبار لمعيار الصدق، وربط النجاح بالاستحقاق، تمثل جميعها خطوات أساسية في استعادة التوازن المعرفي والأخلاقي.

وعليه، فإن معركة الأخلاق لا يمكن اختزالها في خطاب وعظي، بل ينبغي فهمها بوصفها معركة وعي وإدراك. فالعقل الذي يستند إلى منظومة قيمية راسخة يمتلك قدرة أعلى على مقاومة الانحراف، حتى في ظل الضغوط البنيوية المعقدة.

وفي هذا السياق، يظل قول الشاعر حافظ إبراهيم تعبيراً مكثفاً عن هذه العلاقة الجدلية بين الأخلاق وبقاء المجتمعات:

وإنما الأممُ الأخلاقُ ما بقيتْ
فإن همُ ذهبتْ أخلاقُهم ذهبوا

إن حماية الأخلاق، في جوهرها، ليست سوى حماية للعقل ذاته؛
أما إهمالها، فيفتح المجال أمام عقلٍ قادر على تبرير كل انحراف، دون وعي بسقوطه.

 

*رئيس اتحاد الاطباء والصيادلة العرب في النمسا.


تعليق / الرد من

إقرأ أيضًا

الثقافة والأدب

في 21 آذار… قم بنا يا صاحِ، حيِّ الربيع حديقة الأرواح! د. تمام كيلاني

في 21 آذار… قم بنا يا صاحِ، حيِّ الربيع حديقة الأرواح! د. تمام كيلاني
الثقافة والأدب

كما في السيرك لعب على حبال الواقع والخيال!! محمد رستم

كما في السيرك لعب على حبال الواقع والخيال!! محمد رستم
الثقافة والأدب

الرواية " سراب" هل استطاعت الخروج من محيطها؟!

الرواية " سراب" هل استطاعت الخروج من محيطها؟!


الاكثر شهرة
شعبٌ لا ينسى الجميل… لأننا نحبّ الحياة!!..

    شعبٌ لا ينسى الجميل… لأننا نحبّ الحياة!!..   جلال دشان*   "سوريا بلدكم الثاني. قالوا: «من...

ثلاث كلمات تلخص عمر الإنسان: ضعف.. قوة.. ثم ضعف!!

ثلاث كلمات تلخص عمر الإنسان: ضعف.. قوة.. ثم ضعف!!   د. تمام كيلاني*   ﴿اللهُ الَّذِي خَلَقَكُمْ...

القاص الإرتري جمال عثمان هُمّد يستظهر شخوصه العسكرية

 القاص الإرتري جمال عثمان هُمّد يستظهر شخوصه العسكريةأبوبكر كهال – كاتب إرتريتقع مجموعة هُمّد المعنو...

إفطار جائع خيرٌ من إفطارٍ جامع!!

   إفطار جائع خيرٌ من إفطارٍ جامع!! جلال دشان*   لسنا في مقام معاداة أحد، ولا في مقام تصنيف النا...

تابعونا


جارٍ التحميل...