سهرة على ضفاف الضياء!! د.قاسم عبد العزيز محمد الدوسري
سهرة على ضفاف الضياء!!
د.قاسم عبد العزيز محمد الدوسري*
على شرفةٍ نسيها العالمُ في ركنٍ قصي من ليلِ البصرة، كان الوقتُ يترنحُ كغريق، والظلامُ يتآكلُ ببطءٍ عند الزوايا وكأنه يلتهمُ ما تبقى من ملامح المكان. هناك، حيثُ الصمتُ ثقيلٌ كالحجر، حدثَ الاختراقُ العذب؛ تسللَ هو بخطواتٍ من بياضٍ مطلق، لم يطرق باباً ولم يستأذن وحشةَ قلبي، بل حضرَ كأنه كان ينتظرني منذ أزل.
رَفعتُ رأسي المثقل بالهموم، فوجدتُه قد اتخذَ مجلسه مقابلي بوقارِ الملوك. كان تاجه الذهبي، المنحوت بدقةٍ من قصائدِ الأقدمين، يلمعُ بكبرياءٍ يبعثُ الرهبةَ والألفةَ في آنٍ واحد. في تلك اللحظة، سقطت اللغاتُ كلها؛ فقد كان رقيُّ المشهدِ أرفع من أن تدركَه الحروف. كنتُ أنظرُ إليه، فأبصرُ في وجهه وجوهَ كلِّ الشعراء الذين استجدوا منه إلهاماً، والعشاقِ الذين أودعوه أسرارهم، والمنفيين الذين وجدوا في مداره وطناً لا حدود له.
لم يسألني عن ضياقي، ولم أطلب منه قهوةً لتعديل مزاجي المثقل، بل قدم لي كأساً من "السكينة الصرفة"؛ كأساً لم تذقها روحي من قبل. ومع زحف الشيب إلى غرر خصلاته وتجاعيد وجهه الهادئ، كان نوره يتضاعفُ ضراوةً، وكأنه يهمسُ لي: "إنَّ الزمانَ يأخذُ من المادةِ ليعطي للروحِ عظمتها".
فجأةً، تنهدَ القمر.. آهٍ من ذلك الأنين! كان خفيفاً كالنسيم، لكنه زلزلَ كينونتي. أدركتُ حينها أنه ليس مجرد جِرمٍ بارد، بل هو الحاملُ لجراحِ كوكبٍ بأكمله، وما نورهُ إلا دمعهُ البراق الذي يسكبهُ بلسماً على عالمٍ يئنُّ من الألم. أمام هذا التجلي، انفجرتُ بالبكاء؛ بكيتُ ضعفنا، ومآسينا، وكل جرحٍ بشريٍّ لا يزال ينزفُ في عتمة النسيان.
بيدٍ من نور، مسحَ عن وجنتيَّ انكساري، وألبسني وشاحاً من القوةِ الممزوجة بالأمل. في تلك اللحظة الدرامية، لم تكن السهرةُ مجرد حديثٍ عابر، بل كانت "معانقةً كونية"؛ انصهرت فيها روحي بروح الوجود، وأدركتُ أنَّ الألمَ والأملَ ليسا إلا وجهين لعملةٍ واحدة تُدعى "الحياة".
استمرت السهرةُ، وتجمدت عقاربُ الساعة ذهولاً، فلم تجرؤ على الحركة أمام هذا الحضور. اقتربَ القمرُ مني حتى لامست برودةُ ضوئه جبهتي، كقبلةِ أمٍّ تودعُ طفلها بسلامٍ أبدي. سألتُه بصوتٍ متهدج:
"ألا تملُّ من مراقبةِ حروبنا الصغيرة وأحلامنا التي تتساقط كأوراق الخريف؟"
لم يفتح ثغره، بل أشار بفيض نوره نحو النجوم المتناثرة كجواهر على ثوب الليل، وكان صمتهُ هو الجواب الأبلغ: هو لا ينظرُ إلى حطامنا، بل يرى فينا القدرةَ على الانبعاثِ من جديد. في تلك اللحظة، شعرتُ بجسدي الطيني يتخففُ من أثقاله، وصرتُ فكرةً مجنحة تحلقُ فوق الأسوار التي بناها الخوفُ بين البشر.
همس لي الصمتُ القمري قبل الوداع:
"كُن مثلي.. لا تملك ضوءاً ذاتياً، لكنك تعكسُ وجهَ الشمسِ حتى وهي غائبة. كُن المرآةَ التي لا تكسرها العواصف."
ومع خيوط الفجر الأولى، بدأ القمرُ ينسحبُ بوقار، يذوبُ في زرقة السماء الشاحبة، تاركاً خلفه عِطراً من الطمأنينة يسكنُ رئتي. عدتُ إلى غرفتي، وفي قلبي يقينٌ جديد: أنَّ الذي سهر مع القمر ليلةً، لن يخشى الظلامَ أبداً.. فقد ذهبَ هو ليضيءَ جانباً آخر من هذا الوجعِ الكبير، وتركَ لي مهمةَ أن أكونَ "الضياء" هنا.
* أديب وناقد عراقي/ البصرة.
كلمات البحث
تعليق / الرد من
إقرأ أيضًا
قصيدة المها يكتبها الشاعر الدكتور عبد الولي الشميري
قصيدة الشاعر الدكتور عبد الولي الشميري بعنوان (يا حبيبًا)
عفّة وأناقة قصيدة للدكتور الشاعر عبد الولي الشميري
أمجد مراد في برنامج د. نادر الصيرفي: مشروع القانون "غربال"
الاكثر شهرة
المرأة بين الهشاشة والتنميط في مجموعة " بائعة الورد للكاتبة لطيفة محمد حسيب القاضي
المرأة بين الهشاشة والتنميط في مجموعة " بائعة الورد للكاتبة لطيفة محمد حسيب القاضي قراءة نقدية...
في يوم الطبيب العالمي!! د. تمام كيلاني
في يوم الطبيب العالمي!! د. تمام كيلاني* في يوم الطبيب العالمي، لا نكتب كلماتٍ عابرة، ولا نكت...
الكاتبة سارة المطيري:أن المعرفة لا تُبنى من طريق واحد
الكاتبة سارة المطيري:أن المعرفة لا تُبنى من طريق واحدأجرى الحوار:لطيفة محمد حسيب القاضي في زمنٍ ت...
"أحدهم يحاول أن يخبرنا شيئاً.. عن تقاطع الميتافيزيقي والرمزيّ مع الواقعي، سمية الإسماعيل
"أحدهم يحاول أن يخبرنا شيئاً.. عن تقاطع الميتافيزيقي والرمزيّ مع الواقعي، سمية الإسماعيل*...