حلب تعود.. وعدت معها!! د. تمام كيلاني

حلب تعود.. وعدت معها!! د. تمام كيلاني

 

حلب تعود.. وعدت معها!!

 

د. تمام كيلاني*

محاضرة بعد غياب 18 عامًا في رحاب جامعتي الأم.


لم تكن مجرد محاضرة علمية. ولم يكن مجرد مؤتمر. كان لقاءً مع الذاكرة، وعودةً للجذور، ومصالحةً مع المكان الذي صنعني طبيبًا قبل أن أصنع نفسي في فيينا.

احتفلت جامعة حلب هذا الأسبوع بإقامة "الأسبوع العلمي الدولي الأول"، حدثٌ يعيد لهذه الجامعة العريقة شيئًا من ألقها ودورها الذي تستحقه. وكان لي الشرف أن أكون أحد المتحدثين فيه، بمحاضرة عن الشبكية"، التخصص الذي أفنيت فيه عمري.

آخر مرة ألقيت فيها محاضرة في رحاب جامعة حلب كان قبل 18 عامًا. غياب طويل فرضته الظروف، لكنه لم يقطع الحنين. أن تقف بعد كل هذه السنين في نفس المدرجات التي جلست فيها طالبًا، وتحت نفس السقف الذي علّمك كيف تمسك المشرط لأول مرة، له رهبة لا تشبهها رهبة أي مؤتمر دولي في العالم.

كانت فرحتي لا توصف أن أعود إلى الجامعة التي درست فيها الطب، وتخرجت منها، وتعلمت فيها اختصاص العيون قبل أن أغادر إلى فيينا عام 1982. عدت اليوم لأرد بعض الدين، ولأقول للجيل الجديد: من هنا بدأنا، ومن هنا تستطيعون أن تصلوا إلى أي مكان.

لم تكن سعادتي بالمحاضرة فقط، بل بما حولها. في هذا الأسبوع التقيت بأساتذة كبار درّسوني في السبعينات، ومازال العطاء في عيونهم. شيوخ المهنة الذين علمونا أن الطب أخلاق قبل أن يكون علمًا. صافحتهم، وبعضهم بالكاد تذكرني بعد كل هذه السنين، لكني أذكر كل كلمة قالوها لي.

والتقيت بزملاء الدراسة، رفاق المقعد والامتحان والسهر. بعضهم لم أشاهدهم منذ أربعين عامًا. تغيرت ملامحنا، وغزا الشيب رؤوسنا، لكن بقيت أرواحنا كما هي: أرواح طلاب طب يحلمون بإنقاذ الناس. كان العناق معهم عناق تاريخ كامل.

والأجمل أنني التقيت بطلاب اليوم، أطباء المستقبل. رأيت في عيونهم نفس الشغف الذي كان في عيوننا، ونفس القلق من الغد. قلت لهم: حلب مرت عليها حروب، لكن العلم لا يحترق، والجامعة لاتموت.
كان لاستقبال عميدة كلية الطب في حلب لنا في مكتبها الدكتوره سيلفا إشخانيان أثر كبير في نفسي. امرأة تقود كلية عريقة في أصعب الظروف، ومازالت تبتسم وتخطط للمستقبل. هذا هو الوجه الذي نريد أن يراه العالم عن سوريا: وجه العلم والإصرار.

كما تشرفت بلقاء مدير مشفى حلب الجامعي الدكتور محمد حاج مصطفى هذا الصرح الذي قضينا فيه أيامًا وليالي في المناوبات، وتعلمنا فيه الطب الحقيقي عند رأس المريض. والشكر موصول لرئيس قسم العينية الدكتور عمار كيالي وزملائه، الذين يحملون الراية اليوم ويحافظون على شعلة القسم متقدة رغم كل الصعاب.

التقطنا الصور التذكارية، لا لنوثق اللحظة فقط، بل لنقول: نحن هنا. نحن لم ننسَ، ولن ننسى.

إن إقامة "الأسبوع العلمي الدولي الأول" في جامعة حلب هو أكثر من مؤتمر. هو إعلان انتصار. انتصار الإرادة على اليأس، والعلم على الخراب، والأمل على الألم.

عودة الأطباء السوريين من كل بقاع الأرض إلى جامعتهم الأم ليستطروا فيها محاضرة، هي رسالة للعالم: سوريا لا تموت. قد تمرض، قد تنزف، لكنها لا تموت. وجامعاتها التي خرّجت آلاف الأطباء للعالم كله، قادرة على أن تنهض من جديد.

خرجت من حلب عام 1982 شابًا يحمل حقيبة وحلمًا. وعدت إليها عام 2026 كهلًا يحمل خبرة ومسؤولية. بين التاريخين عمر، وحرب، وغربة. لكن حلب بقيت حلب، والجامعة بقيت أمًا.

شكرًا جامعة حلب على دعوتك. شكرًا لأنك جعلتني أستاذًا ليوم واحد في المكان الذي كنت فيه طالبًا.
وهذا وعد: ما دام في العمر بقية، فلن يكون هذا الغياب 18 عامًا أخرى.

 

*استشاري جراحة وامراض العيون والشبكية - فيينا
خريج كلية الطب جامعة حلب


تعليق / الرد من

إقرأ أيضًا

بوابة دمشق

غربتان في روايتي الأديب الراحل أحمد جميل الحسن! عمر محمد جمعة

غربتان في روايتي الأديب الراحل أحمد جميل الحسن! عمر محمد جمعة
بوابة دمشق

حماه بين أركيلة الليل وصوت الحريه ..!!د. تمام كيلاني

حماه بين أركيلة الليل وصوت الحريه ..!!د. تمام كيلاني
بوابة دمشق

د. تمام كيلاني يقدم أجهزة طبية حديثة لقسم العينية في مشفى المواساة! روعة سنوبر

د. تمام كيلاني يقدم أجهزة طبية حديثة لقسم العينية في مشفى المواساة! روعة سنوبر
بوابة دمشق

سوريا ليست جواز سفر… سوريا وطن لا يُستبدل..!! د. تمام كيلاني

سوريا ليست جواز سفر… سوريا وطن لا يُستبدل..!! د. تمام كيلاني


الاكثر شهرة
المرأة بين الهشاشة والتنميط في مجموعة " بائعة الورد للكاتبة لطيفة محمد حسيب القاضي

  المرأة بين الهشاشة والتنميط  في مجموعة " بائعة الورد للكاتبة لطيفة محمد حسيب القاضي قراءة نقدية...

في يوم الطبيب العالمي!! د. تمام كيلاني

في يوم الطبيب العالمي!!   د. تمام كيلاني*   في يوم الطبيب العالمي، لا نكتب كلماتٍ عابرة، ولا نكت...

الكاتبة سارة المطيري:أن المعرفة لا تُبنى من طريق واحد

 الكاتبة سارة المطيري:أن المعرفة لا تُبنى من طريق واحدأجرى الحوار:لطيفة محمد حسيب القاضي  في زمنٍ ت...

"أحدهم يحاول أن يخبرنا شيئاً.. عن تقاطع الميتافيزيقي والرمزيّ مع الواقعي، سمية الإسماعيل

    "أحدهم يحاول أن يخبرنا شيئاً.. عن تقاطع الميتافيزيقي والرمزيّ مع الواقعي،     سمية الإسماعيل*...

تابعونا


جارٍ التحميل...