صوت القوقعة!!

صوت القوقعة!!

صوت القوقعة!!

 

مي كاترينا*

 

 

ها هو الطفل يمشي بين الركام، لا يدري عمّا يبحث...!

 

لم يبقَ له بيتٌ يعود إليه، الحرب أخذت كل شيء…

لكن بقيت خطواته الصغيرة التي ترفض أن تتوقف.

 

عند طرف الشاطئ، وجد قوقعة كبيرة نصف مدفونة في الرمل.

انحنى عليها، أزاح الرمال عنها، ثم قال همساً:

 

— آه، لو كنتُ مثلك… كان عندي مكان أنام فيه.

 

لم تتحرك القوقعة، لكن البحر أرسل موجة خفيفة لامست قدميه، فأجلست الطفل.

أسند رأسه على ركبتيه، ثم وضع القوقعة قرب أذنه.

 

سمع خريرًا يشبه نبضًا بعيدًا، فابتسم لأول مرة منذ زمن.

 

قال للقوقعة:

 

— أمي كانت تقول لي: اللي عنده حلم… ما يضيع. بس أنا ما عاد عندي شي… حتى الحلم نسيته.

 

فجأة، شعر بدفء غريب يخرج من القوقعة، كأنها تتنفس.

أغمض عينيه، ورأى نفسه داخلها: حلزونًا صغيرًا، ثم أكبر… ثم أكبر.

قوقعته تتسع كلما اشتدّ عليه الخوف، وتضيء كلما اقترب منه الظلام.

 

صار يرى نفسه يمشي على الرمل بثبات، لا يهمه الموج ولا الريح.

كل خطوة كانت تقول له:

 

«من يقاوم… يعيش.

ولا بد لمن يسعى أن يجد طريقه، وتثمر أتعابه.

ومن يحلم… لا يبقى بلا مأوى.»

 

فتح الطفل عينيه، فوجد القوقعة بين يديه، لكنها بدت أكبر مما كانت.

لم يفهم كيف، لكنه شعر أنها أصبحت بيته الجديد، بيتًا لا يُقصف، ولا يُحرق، ولا يُسرق.

 

وقف، حمل القوقعة إلى صدره، وقال:

 

— إذا ما عندي بيت… رح أصير أنا البيت.

وإذا ما عندي أهل… رح أصير أنا قوتي.

وإذا الحرب أخذت كل شي… ما رح تاخذ حلمي.

 

ثم مضى على الشاطئ،

طفلًا صغيرًا… وحلزونًا كبيرًا في قلبه،

يحمل قوقعته، ويحمل نفسه،

ويمشي نحو غدٍ لا يعرفه… لكنه يثق أنه موجود.

 

* قاصة سورية.


كلمات البحث

تعليق / الرد من


الاكثر شهرة
شعبٌ لا ينسى الجميل… لأننا نحبّ الحياة!!..

    شعبٌ لا ينسى الجميل… لأننا نحبّ الحياة!!..   جلال دشان*   "سوريا بلدكم الثاني. قالوا: «من...

ثلاث كلمات تلخص عمر الإنسان: ضعف.. قوة.. ثم ضعف!!

ثلاث كلمات تلخص عمر الإنسان: ضعف.. قوة.. ثم ضعف!!   د. تمام كيلاني*   ﴿اللهُ الَّذِي خَلَقَكُمْ...

القاص الإرتري جمال عثمان هُمّد يستظهر شخوصه العسكرية

 القاص الإرتري جمال عثمان هُمّد يستظهر شخوصه العسكريةأبوبكر كهال – كاتب إرتريتقع مجموعة هُمّد المعنو...

إفطار جائع خيرٌ من إفطارٍ جامع!!

   إفطار جائع خيرٌ من إفطارٍ جامع!! جلال دشان*   لسنا في مقام معاداة أحد، ولا في مقام تصنيف النا...

تابعونا


جارٍ التحميل...