على المقهى كانت لنا أيام!!.

على المقهى كانت لنا أيام!!.



على المقهى كانت لنا أيام!!.


د. يسري عبد الغني*


ولم يعد المقهى جاذبا للكتاب والمبدعين:

 

دعني أقول أن المقاهي في مصر قرينة الأهرامات، وتاريخها الثقافي والفكري لم يكتب بعد كتابة علمية حقيقية، ولو كتبنا هذا التاريخ الثقافي سنكتشف دررا ثقافية وفكرية كم نحن في حاجة إليها هذه الأيام من أجل تصحيح تاريخنا الثقافي.

المقهى لم يعد جاذبًا لأهل الكلمة وذلك لتغير الظروف السياسية والاقتصادية والاجتماعية، وفي نفس الوقت تغير نوعية الذين يجلسون على هذه المقاهي، صاحب المقهى نفسه قديمًا كان يشجع الحوارات والنقاشات الفكرية بل يشارك في بعضها قدر إمكانه، بل كان يدافع عنا ضد أي غارة أمنية ويتساهل كل التساهل مع أهل الكلمة في دفع المشاريب وخلافه، وهو سعيد كل السعادة أن فلان وفلان من رواد مقهاه .

الحوارات التي كانت تضيء المقاهي كان لها جمهورها من كافة الفئات والطبقات، حيث كان يسمح لهم بالنقاش والسؤال لتعم الفائدة على الجميع..

أما الآن فمن الذي يجلس على المقهى؟!!

 

مقاهي كثيرة:

 

لقد جلست على العديد من المقاهي في الأحياء الشعبية وبالذات حي السيدة زينب الذي ولدت ونشأت فيه والتقيت بيرم التونسي على إحدى مقاهيه، أضف إلى ذلك مقهى ريش والبستان وعلي بابا وغيرها في وسط القاهرة أو ميدان العباسية أو في ميدان الجيزة، وكم من أدباء ومفكرين وصحفيين وفنانين من كافة ألوان الطيف  جلسنا إليهم وتعلمنا منهم الكثير والكثير ، وكم من مناقشات خضناها خوضًا وسبب لنا بعضها المتاعب الكثيرة .. كانت أيام!!

 

 _  القراءة والمناقشات:

 

على المقهى نقرأ المجلة أو الصحيفة أو نسمع أحدنا وهو يلقي قصيدة أو قصة قصيرة، أما القراءة لكتاب معين أو كتابة مقالة أو بحث أو دراسة فلها طقوس خاصة لا يصلح لها المقهى، الذي هو ساحة مفتوحة للحوار يشارك فيه كل الأطياف .

أذكر أننا دخلنا في نقاشات عديدة منها: قضية الالتزام، والاشتراكية، و كتابة التاريخ، ومشاكل التعليم، والشعر الحر، وحرية الصحافة.. إلخ.. إلخ..
كنا نختلف لدرجة الاحتداد ولكن نعود أحباء وأصدقاء، فالخلاف في الفكر لا يفسد للود قضية.. 

أنت تذكرني بمقهى الفيشاوي في مصر الذي تأسس في العام 1797 صاحب الدور الكبير في الحركة الأدبية والثقافية من خلال كبار رواده يتقدمهم الأديب / نجيب محفوظ الذي كتب معظم أعماله في هذا المقهى

لقد سبق محفوظ إليه جمال الدين الأفغاني والإمام محمد عبده في زمن كانت العمامة تدخل المقهى ولم يكن المقهى منكراً.

 وأيضاً الرئيس جمال عبد الناصر وقبله، الملك فاروق الذي أهدى المقهى مراياته الشهيرة. بالإضافة إلى الفنانين عبد الحليم حافظ ومحمد فوزي وليلى مراد ومحمد الكحلاوي وعبد المطلب والشعراء كامل الشناوي.

نضيف إلى ذلك عملاق الفكر / عباس محمود العقاد والممثل نجيب الريحاني ومفكّرون سياسيون عرب وأجانب أبرزهم المفكر الفرنسي جان بول سارتر وصديقته سيمون دي بوافور .

وأحب أن أضيف هنا أنه ليس مقهى الحرافيش اقل منه شأناً الذي اقتبس اسمه من أشهر رواية لنجيب محفوظ، كما هو معروف، حتى أن أصحابه زينوا مدخله بتمثال لمحفوظ. وأقاموا ركناً للكاتب الساخر محمود السعدني. وآخر لشاعر العامية بيرم التونسي ومكتبة تضم كتبه ، ولا تنسى بالطبع مقهى قشتمر.

ولا مبالغة بالقول بأن المقاهي كانت في مصر تعتبر معالما سياحية يقصدها السياح أسوة بالأهرامات أعجوبة العصر. بفضل روادها من رجال الثقافة والفن بعصوره الذهبية، مصر أم كلثوم ومحمد عبد الوهاب وعبد المطلب، واللائحة تطول .

 

-      الأنقطاع:

 

بكل أسف لقد انقطعت الآن عن الجلوس على المقاهي، في بعض الأحيان تضطرني الظروف وبحكم متابعة بعض أعمالي  الخاصة إلى الجلوس على مقهى في باب اللوق أو السيدة زينب ولكن لا أستطيع تحمل ساعة على الأكثر، صخب وضجيج وأصوات مرتفعة وألفاظ بذيئة وشباب منفلت ، رحم الله الأيام الخوالي، عندما كان المقهى مدرسة حقيقية نتعلم منها الثقافة والفكر ورقي الحوار .

 

 _  عوامل طاردة:

 

المناخ العام جعل للمقهى دورا مغايرا تمامًا كملتقى ثقافي وفكري ، الناس بوجه عام أصبحت  لا تهتم بالثقافة ، تهتم بكرة القدم وبأخبار الفنانيين وبلقمة العيش التي تطحننا جميعًا ، والمؤسسات الثقافة تخلت عن دورها تمامًا مكتفية بالشو الإعلامي الذي يجعلها في الصورة، المنظومة كلها وعلى رأسها التعليم والثقافة في حاجة ماسة إلى إعادة النظر إذا أردنا نهوضًا حقيقيًا وتنمية مستدامة تؤتي ثمارها ..

 

 _  البديل :

 

يفترض أن لدينا ما يسمى بقصور الثقافة وأندية الأدب لها دورها في إثراء وترقية حياتنا الثقافية ، ويفترض أنها حاضنة لشبابنا ولكل صاحب كلمة وفكر ، ولكن بكل أسف الواقع مرير ، وإذا أردنا خيرًا يجب أن نطور هذه الكيانات تطويرًا حقيقيًا  وفق إستراتيجية حقيقية شكلاً ومضمونًا بعيدًا عن تحويلها إلى عزب خاصة تحكمها المصالح والمحسوبية والادعائية ، ولا تنس منظمات المجتمع المدني التي يجب أن يكون  لها دورها الكبير كملتقيات للحوار المجتمعي والنقاش الجاد الذي يعود بالفائدة على المجتمع ككل ، يا ليتنا نعرف جيدًا دور هذه المنظمات في الخارج وكيف تقوم بدورها الفعال للصالح  العام؟!!.


 

*أديب وباحث مصري في شأن التراث/ مصر.

 

 

 

 

 


تعليق / الرد من

إقرأ أيضًا

بوابة القاهرة

قصيدة المها يكتبها الشاعر الدكتور عبد الولي الشميري

قصيدة المها يكتبها الشاعر الدكتور عبد الولي الشميري
بوابة القاهرة

قصيدة الشاعر الدكتور عبد الولي الشميري بعنوان (يا حبيبًا)

قصيدة الشاعر الدكتور عبد الولي الشميري بعنوان (يا حبيبًا)
بوابة القاهرة

عفّة وأناقة قصيدة للدكتور الشاعر عبد الولي الشميري

عفّة وأناقة قصيدة للدكتور الشاعر عبد الولي الشميري
بوابة القاهرة

أمجد مراد في برنامج د. نادر الصيرفي: مشروع القانون "غربال"

أمجد مراد في برنامج د. نادر الصيرفي: مشروع القانون "غربال"


الاكثر شهرة
المرأة بين الهشاشة والتنميط في مجموعة " بائعة الورد للكاتبة لطيفة محمد حسيب القاضي

  المرأة بين الهشاشة والتنميط  في مجموعة " بائعة الورد للكاتبة لطيفة محمد حسيب القاضي قراءة نقدية...

في يوم الطبيب العالمي!! د. تمام كيلاني

في يوم الطبيب العالمي!!   د. تمام كيلاني*   في يوم الطبيب العالمي، لا نكتب كلماتٍ عابرة، ولا نكت...

الكاتبة سارة المطيري:أن المعرفة لا تُبنى من طريق واحد

 الكاتبة سارة المطيري:أن المعرفة لا تُبنى من طريق واحدأجرى الحوار:لطيفة محمد حسيب القاضي  في زمنٍ ت...

"أحدهم يحاول أن يخبرنا شيئاً.. عن تقاطع الميتافيزيقي والرمزيّ مع الواقعي، سمية الإسماعيل

    "أحدهم يحاول أن يخبرنا شيئاً.. عن تقاطع الميتافيزيقي والرمزيّ مع الواقعي،     سمية الإسماعيل*...

تابعونا


جارٍ التحميل...