في ذكرى الوفاة تجليات من النضال الفكري لدى الشاعر محمد حسيب القاضي أحد شُعراء الإنتفاضة الفلسطينية
-----------------------
------------------------
لست من مختصي النقد الأدبي او التحليل المتصل به كما وإن الهوجسة في الأبيات العامية ليست بالمقدار الذي يتصف عليه الشعر الرصين وما دفع نحو كتابة هذة التجليات هو الشغف البحثي وحتمية الواجب العربي تجاه القضايا المتصلة بالمصير المشترك ، و قبل أن نتناول الموضوع يُحتّم اولاً ان نقتضب في السياق مختصر من السيرة الذاتية للشاعر كي يتعرف القارئ ويتزود الباحث على حداً سواء بجملة من الحقائق المبيّنة للنضال اللذي ابداه ولازال يبديه كافة أبناء الشعب الفلسطيني وخصوصا الأدباء والكُتّاب منه، فمن كتاب أدباء خالدون الصادر عن المكتب الحركي للكتّاب بغزة نوجز ما أوردته اربع صفحات بأن شاعر الانتفاضة وكاتب أغانيها المرحوم الشاعر محمد حسيب القاضي من مواليد مدينة يافا في العشرين من شهر أكتوبر للعام 1936 م تعلم في مدارسها ثم هُجّر بعد نكبة 1948م مع أفراد عائلته إلى قطاع غزة وانهى التعليم الثانوي فيه ليبدأ من ستينيات القرن العشرين مرحلة نضاله الفكري ثقافياً كمحرر أدبي في جريدة أخبار فلسطين غير انه في العام 1967م كانت النكسة وسيطرة القوات الصهيونية على القطاع خلال ذلك تم إعتقال الشاعر لسبب نشاطه المقاوم للمغتصب ويغادر غزة عقب الإفراج عنه إلى المملكة الأردنية الهاشمية ويعمل فيها كاتباً وشاعراً وصحفياً واعلامياً و لم يمكث طويلا في الأردن لينتقل منها الى جمهوريه مصر العربيه عام 1970م ويستقر بالقاهرة مدرساً لمادة اللغة العربية مساهماً خلال بقائه في مصر على إنشاء إذاعة صوت العاصفة وكذلك إذاعة صوت فلسطين كما والتقى بالزعيم الراحل ياسر عرفات ابو عمّار وانضم الى منظمة التحرير الفلسطينية فكلف حينها مديراً لإذاعة صوت فلسطين بكلاً من قطريّ اليمن والجزائر متنقلً لمهام نضالية بين عدّة من الدول العربية ، وبعد إندلاع الإنتفاضة في العام 1982م بقي في الجمهورية التونسية متراسا لتحرير جريدة الأشبال الصادرة خلال الاعوام 1988م وحتى 1990م في كلا من تونس وقبرص وإلى ذلك لم يكتف الشاعر على مسار الكفاح الوطني بمهمة واحدة فحسب بل مسك عام 1991م إذاعة صوت فلسطين في السودان وفي عام 1994م عاد إلى أرض فلسطين مع طلائع القوات الفلسطينية وعُيّن عميداً في جهاز التفويض السياسي والمعنوي بالسلطه الوطنيه الفلسطينية وانتخب عام 1999م عضواً في الأمانة العامة للإتحاد العام للكتاب والادباء الفلسطينيين.
ترجمت قصائده الى عدّة لغات عالمية منها الانجليزية والفرنسية والايطالية والبلغارية ، كما وقدمت في مؤلفاته العديد من الدراسات المتصلة بالتحضير الأكاديمي لدرجتي الماجستير والدكتوراه وقد كرم الشاعر في حياته وبعد وفاته بمجموعة من الجوائز والشهادات التقديرية إكراماً وتثمين لجهوده الفكرية في النضال من اجل الخلاص والحرية ، ففي العام 2014م رئيس السلطة الفلسطينية المناضل محمود عباس ابو مازن يمنحه كلفتة إجلالية وسام الثقافة والإعلام والفنون ( مستوى التميز الإبداعي); .
عاش الشاعر محمد حسيب القاضي اواخر عُمره متنقلً بين كل من غزة والقاهرة الى ان توفي يوم الجمعه بتاريخ 30/4/2010 ودفن رحمة الله تعالى تغشاه في مقابر منظمة التحرير بالقاهرة ، من إنتاجه الفكري ثقافياً تسعه دواوين في الشعر و ثلاثه كتب في المسرح .
وعلى صلة بالموضوع لم تكن الحياه الادبية عموماً والمدارس الشعرية على وجه الخصوص بمعزل عن ما يمر به الشعب الفلسطيني من مآس والآم بل كان لها الدور النظالي بصورته الفكريه ، ولهذا فان ديوان الشعر الفلسطيني المعاصر يمثل دائره واسعه من دوائر الرصد والمتابعه لابعاد القضيه الفلسطينيه منذ ان وطئت اقدام الانجليز ارض فلسطين وحتى اليوم والى ان تتحرر كامل الأرض الفلسطينية ، و بحق فقد استطاع الشعر الفلسطيني المعاصر في ان يكون من نفسه مصدراً اساسيا من مصادر دراسة القضيه الفلسطينية من حيث الخلفيات والأبعاد والشاعر محمد حسيب القاضي احد رواد هذا الشعر ، وفي هذا يُشار إلى إن الدور الأساسي لأي قصيدة وخصوصاً الوطنية منها يتسم في الإطار الفكري للمحتوى بخاصية التحقيق التلازمي لهدفين اساسيين من حيث البُعد النضالي هما هدف إيقاظ المشاعر وهدف ايصال الرسالة بحيث ان من هدف إيقاظ المشاعر تتحرك المعنويات الإيجابية لدى المتلقي ويصر على المضي قدما نحو الخلاص بكل عزيمة وثبات وقد جسد الشاعر محمد حسيب القاضي من ذلك الدور في أكثر من قصيدة شعرية و مضمون مسرحي فلُحّنت بعض تلك القصائد غنائيا وعزفت على الإيقاع الثوري وكانت من روافد الحماس المعنوي لدى المقاتل الفلسطيني بل وحتى في اوساط القومية العربية ولازالت ومن تلك القصائد و على سبيل الاشاره والتلميح نشير إلى مقطوعتي ، يا جماهير الارض المحتلة وحرب الشوارع بالاضافه الى مقطوعة يا غصباً حقنا وكذلك مقطوعتي لوحنا ع القواعد وجر المدفع فدائي، وغيرهما الكثير من الابيات التعبوية سواء المُلحنة غنائيا او غير الملحنة والمعبّرة في المضمون عن الوضع الفلسطيني بشكل عام و في المعنى عن جوهر القضية وعدالتها ، ولأن الشعر كان وما يزال ملجا الأحرار من بطش الباطشين وعبث المغتصب وأداة لكسر القيود المفروضة لجأ الشاعر محمد حسيب القاضي إلى إستخدام تلك الأداة في نضاله الفكري بصورتها الثقافية والأدبية جنبا إلى إستخدام رفاق الدرب أبسط انواع الاسلحة بما فيها حتى الحجارة ، فالجماهير التواقة الى التحرير من منطلق الأحقية لا تهمل دور الإسناد التعبوي ولا تتغافل عن صوت الشاعر كون أبياته الشعرية ممتدّة عبر العصور والى كل اصقاع المعموره لذلك نجد ان الاغلب من ابناء الشعوب تردد المقطوعات الغنائية ذات الابعاد الوطنية والنضالية وان كانت لم تخصها في المعنى ، وبالملاحظة فيما أنتجه الشاعر محمد حسيب القاضي أدبياً يتبين مدى التمكن الفعّال والمفضي إلى حد السيطرة على قالب المحتوى لأنه - أي الشاعر محمد حسيب - مُحمل بتراب فلسطين كل فلسطين ومجاريا للاحداث الدائرة عليها ومعنياً بالحداثة وذلك بحسب ما أبداه تصنيف أُدباء عرب يشير إلى إنه مجدد في القصيدة العربية ومستوعباًً في المفهوم النقدي لكافة الاشكال الادبية دون تعصب او تزمت ، و بعض قصائده قد صدحت من على الوسائل الإذاعية و التلفزيونية في الوطن العربي و رددها لسان الشارع دون تمييز بكل ترنّم وفخر كصوت ينفس عما تحملة الصدور العربية من مكابت وصدى يعزز من المعنويات والتحفيز النضالي بغية البقاء على حالة من العنفوان المستمر ضد المغتصب للحقوق العربية والقامع للحريات.
ومن هدف إيصال رسالة القضية الفلسطينية شعراً إلى كل المحافل بالتدرج عربية كانت او دولية وعالمية تشكّلت الزوايا الفكرية لدى الشاعر محمد حسيب على سياق التطوّر المتصل بالجوانب الموضوعية والفكرية للقصيدة الشعرية والمُتأثرة بالإتجاهات والمذاهب الأدبية إقليمياً ودولياً وعالمياً ودفع بخياله النضالي صوب كتابة كل ما يقود إلى حرية البلاد الأرض والإنسان فجاست قصائده اولاً كل الاقطار العربية من حكم تنقله بين اكثر من دولة والمكوث في بعضها لفترات متفاوتة و أشار في جل القصائد الى ان الجمع العربي يجهد من اجل حرية الشعب الفلسطيني بكل الوسائل الممكنة وفق نصوص الشرعية الدوليه وملمحاً على مسامع المجتمع الدولي بان مسالة ما تسمى سياسيا واعلامياً بعملية حل الدولتين تعتبر في الاساس حالة مستحيلة كأستحالة العلاقه فيما بين البلبل والحداة بقوله: أنا اعلم ان البلبل والحداء لا يلتقيان على غصنً واحد أنا اعلم ان الحرباء تبدي لون معاطفها والحية تاخذ شكل وملمس جلد امراه - في اشاره الى ان كل ذلك يمت في البُعد الإستراتيجي إلى حالة من الخداع والمخاتلة وان من يسترخي من العرب في هذا الشأن يعتبر كالغريق المسترخ في احلام القيلولة منبها بجمله (القصف العشوائي اشتد); من مغزى عدم تشعب التوجه العربي في الاراء المتصله بعداله القضيه الفلسطينيه ومسألة صنع القرار المصيري ، مستخدما في اكثر من سياق شعري صيغة الابيات الرمزية وفنونها لسبب لا أقول صعوبة التصريح في الخطاب الشعري وإنما لغرض ارسال الرساله بالتركيب المعنوي الساخر حيناً والمجسّد لفكاهة البوح أحياناً أخرى رغم صرامة الشاعر في العزيمة وما ذلك في الفحوى إلّا تعبير يتصل في التحليل الادبي الى كل المعاني المبينة لمضامين القضيه الفلسطينيه و الموجّه في الأساس إلى السلطات الحاكمة ، ففكره الاستعانه بفن الخطاب المستتر ورموزه التعبيرية وسيله ناجعة وناجحة في نفس الوقت تمكن من ايصال الرسالة إلى المسؤول بصورة غير مباشرة ، والكتابة بهذا الإسلوب تحتاج الى مهارة وبراعة كبيرين يجب على الشاعر ايما شاعر ان يتمتع به، ومن جهه اخرى لا يمكن عزل تجليات النظرة الفكرية للشاعر محمد حسيب القاضي عن تصوره الايدلوجي والسياسي وهموم قضية أبناء شعبه كون الشعر النضالي ينشأ عاده لنتيجة تواجد المغتصب على ارض ليست له ويتسلط على الأوطان طمعاًً لما فيها من الخيرات او لغرض التسخير وهو -أي الشعر النضالي - صرخة من اجل حريه العيش بكل إستقلالية وامان تحقيقاً لشروط الوجود الانساني وهذا ما يفسر لنا الدور النضالي الذي سلكه الشاعر محمد حسيب القاضي رغم معرفته المطلقة بان نشاطه الشعري المقاوم لن يعود عليه إلّا بالسجن او النفي او الترصد ومحاولة التصفية ، وقد أخذ الشاعر محمد حسيب مكانة معنوية في معركته مع الأعداء المغتصبين لأرضه وشارك في أحداث البلاد على مُختلف مراحلها النضالية اولاً بنفسه ثم بشعره ثانياً وذلك من خلال تعرية الاحداث امام العالم على حقيقتها بالإضافة إلى بث روح الحماس الثوري والجهاد المُقدّس في نفوس أبناء الشعب كافة دفاعاً عن العرض والأرض ، ومع نمو وتطور احداث القضية الفلسطينية وتبني مخرجاتها الفكرية يقف المختصون على شواهد النضال الذي قدمه الشعراء الفلسطينيين عموما بما فيهم الشاعر محمد حسيب القاضي وكذلك مدى الوعي الذي وصلوا اليه وادراك القضيه سياسيا واجتماعيا وثقافيا من المنظور النضالي، فقد خرج فكر الشاعر محمد حسيب القاضي من دائرة الرصد والملاحظة الى دائرة التساؤل ومن ثم الى دائره الكشف والتنبيه وذلك من خلال وعيه بمفاهيم الاحداث ومستجداتها وكذلك الامور الظاهره وما يُحاك ورائها في الكواليس فقدم الشاعر محمد حسيب دوره من خلال نضاله الفكري برسالته الشعريه التي أوجب على نفسه في أن يؤديها ، في حين إن النقاد والدارسين يرون بانه قد حقق بنضاله الفكري تميزا واختلافا في الاتجاه الوطني وان الكتابة عنده اشبه بمغامر لغوية تقوم على الالتقاط اليومي لما يدور في الشأن الفلسطيني معتنيا في شعره بالمهمش والمسكوت عنه على خلفية ميثولوجية ممزوجة بالإرث الإسلامي المتعايش مع كل المعتقدات.
وعلى مستوى الحياه العائليه تفيد الصحفية لطيفة القاضي إحدى بنات الشاعر بأن والدها كان لها بمثابة مصدر الأمان في الحياة خلال فترة الطفولة وكان القدوة في كل افعاله اثناء فترة المراهقة بينما في مرحلة الغياب فهو ذكرى ولكنها ذكرى خالدة وباقية كشاعر اسهم بشكل كبير في تشكيل الوعي الثوري إبداعاً وفنّاً في اوساط الاجيال العربية الفلسطينيه واصبحت الكلمة في عصره بمثابة المفتاح السحري اللذي كان من ثنيه في ثقب القضية الفلسطينية عنفوان المضي قدماً صوب الحرية والاستقلال بكل مثابرة وإخلاص .
تعليق / الرد من
إقرأ أيضًا
بوابة القاهرة
قصيدة المها يكتبها الشاعر الدكتور عبد الولي الشميري
قصيدة المها يكتبها الشاعر الدكتور عبد الولي الشميري
بوابة القاهرة
قصيدة الشاعر الدكتور عبد الولي الشميري بعنوان (يا حبيبًا)
قصيدة الشاعر الدكتور عبد الولي الشميري بعنوان (يا حبيبًا)
بوابة القاهرة
عفّة وأناقة قصيدة للدكتور الشاعر عبد الولي الشميري
عفّة وأناقة قصيدة للدكتور الشاعر عبد الولي الشميري
بوابة القاهرة
أمجد مراد في برنامج د. نادر الصيرفي: مشروع القانون "غربال"
أمجد مراد في برنامج د. نادر الصيرفي: مشروع القانون "غربال"
الاكثر شهرة
المرأة بين الهشاشة والتنميط في مجموعة " بائعة الورد للكاتبة لطيفة محمد حسيب القاضي
المرأة بين الهشاشة والتنميط في مجموعة " بائعة الورد للكاتبة لطيفة محمد حسيب القاضي قراءة نقدية...
في يوم الطبيب العالمي!! د. تمام كيلاني
في يوم الطبيب العالمي!! د. تمام كيلاني* في يوم الطبيب العالمي، لا نكتب كلماتٍ عابرة، ولا نكت...
الكاتبة سارة المطيري:أن المعرفة لا تُبنى من طريق واحد
الكاتبة سارة المطيري:أن المعرفة لا تُبنى من طريق واحدأجرى الحوار:لطيفة محمد حسيب القاضي في زمنٍ ت...
"أحدهم يحاول أن يخبرنا شيئاً.. عن تقاطع الميتافيزيقي والرمزيّ مع الواقعي، سمية الإسماعيل
"أحدهم يحاول أن يخبرنا شيئاً.. عن تقاطع الميتافيزيقي والرمزيّ مع الواقعي، سمية الإسماعيل*...