قبلة عالقة على زجاج قطار مسافر!! طلال مرتضى

قبلة عالقة على زجاج قطار مسافر!! طلال مرتضى
غلاف مجازي

 

قبلة عالقة على زجاج قطار مسافر!!

 

طلال مرتضى*

 

هذربات عابر حبر!!

الآن… وعلى هدوء، وحيدًا إلا من عزلتي، أجلس على ضفة تعبي بامتلاء…
تراود أصابعي الكافرة فكرةُ استحضار ما تيسّر من تراتيل العناقات العتيقة، تلك التي طعن ظهرَها بردُ المغترب…

حين تكتب امرأة عابرة للحواس:
«هل لي بعناق يقيك شرَّ صقيع المغترب؟»
فذلك يعني أن السماء تبحث عن عذر مقنع كي تدكّ طلول عصفها في يوم ربيعي هادئ…

البعيد… غريقٌ وصل حدَّ شهيقه الأخير، حتى إنه نسي تمامًا حلمَ التعلّق بالقشّة التي ابتدعها فاتنُ الحكاية.
أسلم روحه لسطوة البرد الذي غزا عظامه قبل أن يرتكب شعرُ رأسه لحنَ الشيب…

أسلم روحه لمعزوفاتٍ لم يزل يتردد صداها على سلك البرق الذي شنقوا عليه حمامات قلبه حين افتعلوا حرب البلاد…

ترك لأصابعه الآثمة أن تنزلق هبوطًا من أعلى سلّم الموسيقى، كمحاولة أخيرة، أو علامة يتركها وقد لا يفهم أحدٌ إلى ما تؤمي، وذلك أقلّ الخسارات…

دندنات السقوط في غبن دفتر الذكريات أشبه بقبلة يرمي بها عاشق أهوج — من وراء نافذة قطار — نحو حبيبة غرق بستان خدّها بطوفان الدمع.
تلك القبلة بقيت ملتصقة كتذكار على زجاج النافذة، حين ردّتها الحبيبة بأصبعين يكنهان في مسامهما ندى الفراولة.
لا هو استطاع التقاطها، ولا هي استكانت طوال رحلته نحو منفاه، الذي حوّله من اسم إلى رقم تحت خط عريض: «لاجئ»…

هل تدركين يا امرأة ماذا يدور في خلدي الآن؟!

أنا أعي أن القطار اللعين قد شارف الوصول إلى محطة وجعه، وأن تلك المرأة التي استحضرتُ حكايتها من قصص بنات فكري قد غادرت هي الأخرى نحو أربها.
ربما ذهبت لتبحث عن خلاص ينجي روحها من حريق البلاد الوبيل.

دار في رأسي سؤال لكِ:
هل يستوي بردُ المغترب مع حريق البلاد في جوف عاشقين رسما خارطة عشقهما على وجه الحلم؟!

بعيدًا عمّا ستدلين به من أجوبة قد لا تقنع روحي، ولا تروي ظمأ قلبي الشره إلى كسرة عناق…
ماذا لو توقفتُ الآن عن كتابة هذه الثرثرات التي لا تطفئ حريق المسام، وعدتُ أدراجي إلى الوراء، حيث كانت تقف الفتاة التي رمت بقبلتها على زجاج نافذة قطار آثم أدار لها ظهره عن سبق حرب؟

يقول أبي الطاعن في السرّ:
«العاشق الحقيقي مثل المجرم المعتوه، ثمة حريق دائم يدغدغ حواسه، وسيجرّه فيما بعد إلى مكان إثمه…»

شيءٌ ما ينكز خاصرة بلادتي؛ فضولٌ متطفل يريدني أن أكتب بعكس وجهة قطار اللاعودة هذا.
هوس الكتابة يقول لي:
ثمة عابرُ حبرٍ استقلّ — عن طريق الخطأ — هذا القطار، ويريد العودة إلى حيث كانت تقف امرأة أغرق طوفانُ الفراق روضَ خدّيها…

المسافر التائه بدعةٌ جديدة ابتدعها كاتبٌ لعين، في محاولةٍ منه للوصول إلى قفلة مجدية ينهي بها تلك الهذربات.
يتركها عن سابع نيّة على مقعد خاوٍ في محطة قطار مهجورة، ليست موجودة إلا في ذاكرته، بانتظار أن يلتقطها لاجئٌ آخر فرّ من ذاته…

المسافر الأخير رجلٌ فطن، خبر كل قصص الحرب والوداعات، ولأن حدسه عالٍ، وقعت عيناه فورًا على عقب سيجارة من النوع الرخيص، مرميٍّ على قارعة الرصيف.
وحين لمسه عن كثب، أيقن أن امرأة تكنه شفاهُها طبعَ الفراولة قد ودّعت قبل قليل عابرَ حبرِ قلبها…
ولربما رمى لها — أو رمت له — قبلةً من وراء زجاج نافذة القطار…

لا هو استطاع إيصال قبلته لها، ولا هي كذلك.

 

*كاتب سوري/ رئيس تحرير فن ومدن/ فيينا.


تعليق / الرد من


الاكثر شهرة
"أحدهم يحاول أن يخبرنا شيئاً.. عن تقاطع الميتافيزيقي والرمزيّ مع الواقعي، سمية الإسماعيل

    "أحدهم يحاول أن يخبرنا شيئاً.. عن تقاطع الميتافيزيقي والرمزيّ مع الواقعي،     سمية الإسماعيل*...

في يوم الطبيب العالمي!! د. تمام كيلاني

في يوم الطبيب العالمي!!   د. تمام كيلاني*   في يوم الطبيب العالمي، لا نكتب كلماتٍ عابرة، ولا نكت...

شعبٌ لا ينسى الجميل… لأننا نحبّ الحياة!!..

    شعبٌ لا ينسى الجميل… لأننا نحبّ الحياة!!..   جلال دشان*   "سوريا بلدكم الثاني. قالوا: «من...

المرأة بين الهشاشة والتنميط في مجموعة " بائعة الورد للكاتبة لطيفة محمد حسيب القاضي

  المرأة بين الهشاشة والتنميط  في مجموعة " بائعة الورد للكاتبة لطيفة محمد حسيب القاضي قراءة نقدية...

تابعونا


جارٍ التحميل...