تضادات الوعي والاختلاف في تجربة أشرف مسمار اللبناني!! كوثر جعفر

تضادات الوعي والاختلاف في تجربة أشرف مسمار اللبناني!! كوثر جعفر
غلاف

تضادات الوعي والاختلاف في تجربة أشرف مسمار اللبناني!!

 

كوثر حسن جعفر*

 

رواية "المختلف" انموذجا

في هذا الحوار الشائق أستضيف الأديب الطبيب أشرف مسمار، الذي جمع في تجربته بين دقة العلم ووجدانية السرد، الروائي الطبيب الذي كتب الإنسان في لحظاته الأكثر هشاشة وتعقيدًا.
جررناه إلى طاولة الكلام لنسلط الضوء على تجربته الأدبية الكثيفة، ونتعرّف إلى شخصياته والعوالم التي يفتعلها بين الطب والإنسان.
بدأ يبرز ضوء حضوره في الوسط الثقافي العربي من خلال رواياته التي حملت طابعًا إنسانيًا وفلسفيًا لافتًا.

  • مدى قبلة: رواية تعالج قصة الحب عبر الإنترنت بأسلوب شيّق مميز، يظهر من خلالها الصراعات الداخلية والنفسية.
    * سرير الغواية: تناولت موضوعات الخيانة والرغبات، مع تركيز جلي على وضع المرأة في المجتمع الشرقي.
    * ثالث ثلاثة (2024): آخر أعماله، وقد لاقت حضورًا ونقدًا واسعًا، رواية فلسفية تناقش الهوية والوعي والوجود، وتسرد قصة لاجئة سورية تواجه تحديات الهوية والانتماء في الغرب، وتتطرق إلى موضوع جريء عن المثلية والتحول الجنسي بأسلوب متزن علمي شيّق.

يُعد ضيفي من الأصوات الأدبية المهمة التي جسدت التجارب الإنسانية من خلال منظور طبي واجتماعي، فمن خلال فعالية السرد التي يجيدها، قدّم قراءة فريدة لصراعات الشخصيات التي تعكس واقع المجتمعات الشرقية المعاصرة.
ساهمت كتاباته في إثراء المشهدية الأدبية اللبنانية المعاصرة، من خلال تناوله، كما ذكرت أعلاه، تعقيدات النفس البشرية والجسد في آنٍ واحد، مما جعله صوتًا جريئًا ومؤثرًا.

 

* في روايتك “مختلف” اخترتَ رواية “طواحين بيروت” تحديدًا في مشهد تعارف البطل وحبيبته، حتى إنها سألته إن كان لبنانيًا. هل كان هذا الاختيار مقصودًا لأن الرواية تنتمي إلى مجموعة أعمال صنعت هوية مدينة كاملة، مثل ثلاثية القاهرة لنجيب محفوظ؟

_ في مشهد التعارف ذكرت رواية “طواحين بيروت” لأوحي بأن الشاب لبناني، وفعلاً لأنها توثق بيروت وحقبة منها، ولأجمع بين لبنان وإسبانيا كمكان للرواية. ففي “مدى قبلة” كان المكان بين لبنان ورومانيا، وفي “سرير الغواية” بين لبنان وبلجيكا، أما في “ثالث ثلاثة” فبين لبنان وألمانيا.
عادة أحب الأماكن الواقعية الحقيقية في المكان الروائي، وكان لي تجربة طويلة في السفر إلى العديد من العواصم والمدن. لم تكن الغاية صنع هوية مدينة بالتحديد.

 

* ما التحديات التي تواجهك في بناء الشخصيات ومنحها هذا العمق الإنساني؟

_ تبدأ الرواية عامة بفكرة، بسؤال، بموضوع أرغب في معالجته، بعد ذلك لا بد من صناعة شخصيات تخدم هذه الفكرة وتخدم السياق الروائي والأحداث.
في “مختلف” كانت الفكرة التوحد، وشخصية ناجحة متفوقة لأظهر التوحد كميزة يمكن أن تكون إيجابية، وكحالة يمكن أن تخدم المجتمع، وكإنسان يمكن أن يترك أثرًا بنّاءً.

 

* يُقال إن الأديب يترك أثرًا من مهنته فيما يبدع، هل استعملت مبضعك في الأدب؟

_ لا شك أن شخصيتي كطبيب كانت حاضرة في عرض فكرة الرواية، فمثلاً عالجت التوحد كطبيب: تشخيصًا وعلاجًا واختلاطاتٍ وتحديات، وكانت حاضرة بأسلوب السرد الذي قد يبدو في بعض المواضع كطبيب يتحدث لا كروائي.

 

* استوقفني في روايتك “مختلف” قولك: “المختلف ليس ناقصًا، إنه طريق آخر لرؤية العالم بالإمكانات التي لا نراها نحن الذين نسير على الدرب التقليدي”.
هل تعتقد أن مجتمعاتنا قادرة فعلًا على تقبّل الاختلاف، أم أن الفكرة ما زالت أقرب إلى شعار جميل أكثر منها واقعًا؟

_ للأسف، مجتمعاتنا يصعب عليها تقبّل أي اختلاف، فكيف باختلاف يُنظر إليه على أنه نوع من الاضطرابات العقلية. ربما تكون شعارًا، لكن بالعمل والأمل يمكن أن نحقق هذه القناعة.

 

* في بعض مشاهد سوزان وجواد في روايتك “مختلف”، تقترب من الجسد والرغبة بشكل مباشر. كيف تفسّر هذا الخيار: هل هو ضرورة كتابية أم أنه فعل حياة؟

_ مرّ ذلك في الرواية بهدفين؛ الأول تثبيت فكرة الحب بينهما، والحميمية إحدى مصاديق الحب الأكيدة.
والأمر الآخر: لا بد من تمرير أحداث وأفكار مختلفة في الرواية تكون جاذبة لمختلف القراء، ولا شك أن ذلك مما يجذب القارئ عمومًا.

 

* في مشهد الحوار بين ناجي اليتيم والمعلمة في روايتك “مختلف”، عندما سألته عن حزنه، أجاب بصمت ثم بكلمات عن شعوره بالفراغ وعدم وجود من يقف معه رغم وجود الآخرين حوله.
هل ترى أن هذا التعبير يعكس لغة طفل في عمره، أم أن صوت الكاتب كان حاضرًا بشكل غير مباشر لخدمة البناء السردي؟

_ كانت الغاية من شخصية اليتيم أن يشعر القارئ بنوع من اليتم عند “حيان” المصاب بالتوحد، ومدى التقارب الممكن بين الحالتين.
أما عن كون كلام ناجي اليتيم صوته أو صوت الكاتب، فلا شك أن اليتم وتعبير اليتيم عن ذاته قد يتفوقان على أي صوت آخر، حتى الكاتب نفسه.

 

* أنجب حيان وتيريز طفلًا مصابًا بمتلازمة داون، هل المختلف سينجب مختلفين؟

_ ليس بالضرورة أن ينجب المختلف مختلفًا آخر، وأردت من ذلك أن تراكم الأحداث أو الظروف “المتعبة أو السلبية”، إذا جاز التعبير، قد يكون تراكمًا للتميز والنجاح.

 

* في الغالب، لماذا نربط بين المعاناة وبين عمق الرواية، ونشكّ في أن القصة المتفائلة يمكن أن تكون عميقة أيضًا؟

_ ربما لأننا نكون أكثر عمقًا وتفكيرًا أثناء المعاناة. ولدينا تعبير لبناني عن الفرح بقول: “طاير عقله من الفرح”، وكأن العقل يكون أقل فعالية أثناء الفرح، بعكس عمق التفكير أثناء المعاناة.

 

* في روايتك “مختلف”، هل كان اختيار موسيقى “الفصول الأربعة” لأنطونيو فيفالدي مقصودًا كإشارة إلى أطياف التوحد؟

_ عندما اخترت “الفصول الأربعة” وتقلباتها، كانت غايتي تقلب مزاج وحياة عائلة سوزان وطفلها. لا أعلم إذا خدمت “الفصول الأربعة” كإشارة إلى أطياف التوحد. ولا أخفيك أن بعض أبعاد الشخصيات والأحداث في الرواية يصنعها القارئ، وربما لم تخطر على بال الكاتب عند كتابتها كما تناولها القارئ وفهمها. وهذا ما يؤكد أن الكتاب عندما يخرج من ذهن الكاتب ويُطبع، يبدأ كل قارئ بإعادة كتابته بطريقته الخاصة.

 

* ومن هنا أود أن أسألك أيضًا عن طقوسك في الكتابة: هل تكتب مع موسيقى؟ وهل تفضّل مكانًا منظمًا وهادئًا أم أقرب إلى الفوضى؟

_ لا طقوس للكتابة. الثابت هو أن أسجل أي فكرة تحضرني على الهاتف، وأحيانًا سياق توظيفها. بشكل عام أنا ميّال إلى الأماكن الهادئة المنظمة البعيدة عن الضوضاء والمجتمع حتى.

 

* متى شعرت أن “أشرف مسمار الإنسان” ظهر بوضوح بين سطور أعمالك؟

_ أشرف مسمار حاضر بقوة بين سطور كل رواية من رواياته، وكثيرًا ما تحدثت عن نفسي شخصيًا بلسان شخصياتي.

 

* متى تتحول الكتابة عندك من خيار إلى ضرورة؟

_ لن أسميها لا خيارًا ولا ضرورة، بدأت رحلة الكتابة ربما لتوثيق أفكار أو أحداث ما، وتطورت واستمرت كهواية أو كباب لتفريغ الهواجس، وإحدى الطرق الشخصية لأكون حاضرًا في المجتمع.

 

* هل ترى أن الكتابة لديك هي قول ما تريد قوله، أم أنها ضرورة لقول ما لا يمكن الصمت عنه؟

_ في البداية لا شك أنها قول ما تريد قوله، ولكن مع تتالي الأعمال الروائية تتغير الأهداف والغايات. ربما تصبح قول ما لا يمكن الصمت عنه، أو قول ما لا يمكن البوح به بشكل صريح، أو توثيق أحداث معاصرة ربما، وهذا قريب من مشروعي الكتابي الحالي، وصولًا إلى إغراء الشهرة.

 

* عندما أحاور مبدعًا أحاول أن أقترب من جانبه الإنساني بعيدًا عن كونه كاتبًا فقط. أود أن أسألك: كيف هو لبنان في عينيك؟ هل ما زال بلد العيد والكرامة والشعب العنيد كما غنته فيروز؟

_ لبنان هو الوجع الدائم، وكحال وطننا العربي عمومًا. هو ساحة يلعب فيها ذوو النفوذ والمصالح، وولِّي علينا من ينفذ سياساتهم، وجُعل الفساد دستورًا، والمواطن وقودًا.
لا شك أنه بلد العز والكرامة والشهداء، عنيد في الدفاع عن ثوابته، وعنيد في رغبته في البقاء والاستمرار، حاضر في كل ساحات الجمال والتميز والتفوق، حاضر لنشر السعادة والثقافة والعلم، حاضر للشهادة. كان وسيبقى منارة ووطنًا يليق بكل أبنائه واختلافاتهم، ويتسع للجميع. تجد فيه كل الاختلافات والتناقضات.

 

* لو أُتيح لك أن تختار شخصية واحدة فقط لتوجّه لها رسالة، من بين ستيفن هوكينغ، والطبيب الروائي خالد حسيني، أو شهرزاد… من تختار؟ وماذا تقول لها؟

_ ستيفن هوكينغ، كنت مختلفًا وصنعت فرقًا مؤثرًا في الإنسان والحياة والعالم.

 

* ما الكتاب الذي أثر فيك وغيّر نظرتك إلى الأدب؟

_ “التخلف الاجتماعي” لمحمود حجازي، أنصح بقراءته.

 

* هل تكتب الرواية وفق خطة مسبقة، أم أن الشخصيات هي التي تقودك أثناء الكتابة؟

_ الفكرة أو الموضوع والسياق العام يكون شبه واضح بشكل مسبق، ولكن كثيرًا ما تكتب الشخصيات نفسها أو تفرض عليك سلوكًا معينًا. وربما أحداث ووقائع يومية تقحم نفسها.
أعطيك مثالًا: عندما كتبت “مختلف” لم يكن حاضرًا في ذهني أي ذكر للصراع العربي الإسرائيلي والاجتياح الإسرائيلي، ولكن في ظل الاعتداءات الإسرائيلية التي سببت يُتم “ناجي” صديق “حيان”، حضرت الجرائم الإسرائيلية، ووثقت محطات زمنية بالاجتياح الإسرائيلي.

 

* هل أنصف النقد تجربتك؟

_ لا بد من النقد للاستمرار والتطوير وبناء سيرة شخصية مؤثرة. أتقبل أي نقد عادة، وأهتم بالنقد السلبي لصقل تجربتي الروائية.
أنصفني أو لم ينصفني؟ لا أزال بحاجة إلى الكثير من النقد الأدبي وآراء القراء وملاحظاتهم.

 

* بعد كل هذا المسار بين الطب والكتابة، ما الذي ما زلت لم تقله بعد في الأدب وتريد أن تقوله لاحقًا؟

_ لا شك أن لدي الكثير بعد، وفي كل يوم تضيء فكرة ما أو حدث ما أو حالة ما، تشعل شرارة جديدة لبحث جديد ورواية جديدة.

 

ختامًا: أود باسمي وباسم القراء أن أتقدم منك بوافر الشكر، مع تمنياتي لكم بدوام الحضور والتميز.
إلى هنا، وأدرك الصباحُ شهرزاد، فبقي الإبداع يقظًا في “احكي يا شهرزاد مع كوثر جعفر”.

 

*كاتبة سوري/ فن ومدن للاعلام/ حلب.

 

 

 

 

“المختلف ليس ناقصًا، إنه طريق آخر لرؤية العالم بالإمكانات التي لا نراها نحن الذين نسير على الدرب التقليدي”.

تضادات الوعي والاختلاف في تجربة أشرف مسمار اللبناني!! كوثر جعفر

أشرف مسمار حاضر بقوة بين سطور كل رواية من رواياته، وكثيرًا ما تحدثت عن نفسي شخصيًا بلسان شخصياتي.

تضادات الوعي والاختلاف في تجربة أشرف مسمار اللبناني!! كوثر جعفر
تضادات الوعي والاختلاف في تجربة أشرف مسمار اللبناني!! كوثر جعفر

لبنان هو الوجع الدائم، وكحال وطننا العربي عمومًا. هو ساحة يلعب فيها ذوو النفوذ والمصالح، وولِّي علينا من ينفذ سياساتهم، وجُعل الفساد دستورًا، والمواطن وقودًا.

عادة أحب الأماكن الواقعية الحقيقية في المكان الروائي، وكان لي تجربة طويلة في السفر إلى العديد من العواصم والمدن.

تضادات الوعي والاختلاف في تجربة أشرف مسمار اللبناني!! كوثر جعفر


تعليق / الرد من

إقرأ أيضًا

الثقافة والأدب

حين تتحوّل ذاكرة الحصار إلى حكمة ماء!! د. تمام كيلاني

حين تتحوّل ذاكرة الحصار إلى حكمة ماء!! د. تمام كيلاني
الثقافة والأدب

رواية «جنّ»: حين لا يكفي البيت لجمع العائلة

رواية «جنّ»: حين لا يكفي البيت لجمع العائلة
الثقافة والأدب

الأنا المنتفخة في زمن جوجل: لماذا صار الجاهل يغلب العالم؟ د. تمام كيلاني

الأنا المنتفخة في زمن جوجل: لماذا صار الجاهل يغلب العالم؟ د. تمام كيلاني
الثقافة والأدب

عبد الله عيسى الفادح.. يؤرق مساء المدينة الوادعة بأناشيد المخيم!!

عبد الله عيسى الفادح.. يؤرق مساء المدينة الوادعة بأناشيد المخيم!!
الثقافة والأدب

"أحدهم يحاول أن يخبرنا شيئاً.. عن تقاطع الميتافيزيقي والرمزيّ مع الواقعي، سمية الإسماعيل

"أحدهم يحاول أن يخبرنا شيئاً.. عن تقاطع الميتافيزيقي والرمزيّ مع الواقعي، سمية الإسماعيل
الثقافة والأدب

سوريا… ذاكرة الحضارة ومستقبل النهضة! د. تمام كيلاني

سوريا… ذاكرة الحضارة ومستقبل النهضة! د. تمام كيلاني
الثقافة والأدب

زمن الانفلات: الحياة المنفلِتة التي نعيشها ومستقبل البشرية! د. تمام كيلاني

زمن الانفلات: الحياة المنفلِتة التي نعيشها ومستقبل البشرية! د. تمام كيلاني


الاكثر شهرة
"أحدهم يحاول أن يخبرنا شيئاً.. عن تقاطع الميتافيزيقي والرمزيّ مع الواقعي، سمية الإسماعيل

    "أحدهم يحاول أن يخبرنا شيئاً.. عن تقاطع الميتافيزيقي والرمزيّ مع الواقعي،     سمية الإسماعيل*...

في يوم الطبيب العالمي!! د. تمام كيلاني

في يوم الطبيب العالمي!!   د. تمام كيلاني*   في يوم الطبيب العالمي، لا نكتب كلماتٍ عابرة، ولا نكت...

شعبٌ لا ينسى الجميل… لأننا نحبّ الحياة!!..

    شعبٌ لا ينسى الجميل… لأننا نحبّ الحياة!!..   جلال دشان*   "سوريا بلدكم الثاني. قالوا: «من...

المرأة بين الهشاشة والتنميط في مجموعة " بائعة الورد للكاتبة لطيفة محمد حسيب القاضي

  المرأة بين الهشاشة والتنميط  في مجموعة " بائعة الورد للكاتبة لطيفة محمد حسيب القاضي قراءة نقدية...

تابعونا


جارٍ التحميل...