قتلُ امرئٍ في غابةٍ جريمةٌ لا تُغتفر… وقتلُ شعبٍ آمنٍ مسألةٌ فيها نظر!!
قتلُ امرئٍ في غابةٍ جريمةٌ لا تُغتفر… وقتلُ شعبٍ آمنٍ مسألةٌ فيها نظر!!
د. تمام كيلاني*
الحرب على إيران وازدواجية المعايير وتهديد السلم العالمي
في عالمٍ يُفترض أن تحكمه القوانين الدولية ومواثيق الأمم، تبدو العدالة أحياناً وكأنها ميزانٌ مختلّ، تُوزن به الجرائم وفق هوية الفاعل لا وفق حجم الفعل ذاته.
فحين يرتكب الضعيف خطأً تُرفع في وجهه رايات العقوبات والحصار، أما حين يمدّ القوي يده إلى سيادة الدول، يصبح العدوان «ضرورة أمنية» أو «خطوة استباقية» لحماية الاستقرار.
إن الاعتداءات العسكرية التي تُمارس تحت ذرائع تغيير الأنظمة أو منع الأخطار المحتملة لا تمثّل فقط انتهاكاً لسيادة الدول، بل تهدد أيضاً فكرة النظام الدولي نفسه. فالقانون، إن لم يكن واحداً للجميع، يتحول إلى أداة سياسية لا أكثر. وما يجري اليوم من تصعيد عسكري وحرب شنيعه ضد إيران يطرح سؤالاً جوهرياً:
هل العالم أمام محاولة جديدة لإعادة رسم الخرائط بالقوة؟
لا شك أن كثيرين يختلفون مع سياسات النظام الإيراني، داخلياً وخارجياً. فدوره اثناء الثورة السوريه ودعمه لنظامٍ الاسد والذي ارتبط اسمه بسنوات طويلة في الدم والدمار، ترك جراحاً عميقة في ذاكرتي وذاكرة كل السوريين . ولا يمكن تجاهل أن شرعنة العنف تحت أي شعار سياسي أو أيديولوجي تبقى أمراً مرفوضاً أخلاقياً وإنسانياً.
لكن الاختلاف مع نظامٍ ما لا يبرر تحويل بلاده إلى ساحة حرب مفتوحة. فالقانون الدولي لم يُنشأ ليُطبَّق على من نختلف معهم فقط، بل ليحمي الجميع من منطق القوة. إن الاعتداء العسكري بحجة «تغيير النظام» أو «إعادة تشكيل الحكم» يعيد العالم إلى زمن الإمبراطوريات، حيث كانت المدافع هي لغة السياسة الوحيدة.
التاريخ القريب يقدم مثالاً صارخاً على ازدواجية المعايير. عندما اجتاح صدام حسين بلا مبرر الكويت وكان خطأ جسيما، وقف العالم بأسره تقريباً في مواجهة ذلك الفعل، واعتُبر انتهاك السيادة جريمة لا يمكن السكوت عنها. كان ذلك الموقف — رغم تعقيداته السياسية — تعبيراً عن مبدأ واضح: لا يجوز لدولة أن تبتلع دولة أخرى أو تفرض إرادتها بالقوة.
أما اليوم، فإن المشهد يبدو مختلفاً. فحين تقوم قوى كبرى بعمليات عسكرية خارج حدودها دون تفويض دولي واضح، تُقدَّم المسألة باعتبارها دفاعاً عن الأمن العالمي. وهنا يظهر التناقض المؤلم: لماذا يصبح ما كان جريمة بالأمس «استراتيجية» عندما يفعله الأقوى؟
إن الخطاب السياسي الذي يشبه عقلية «الكابوي» — حيث يُمنح شخص أو دولة حق تقرير مصير الآخرين — لا يقود إلا إلى مزيد من الفوضى. فالحروب الحديثة لم تعد نزاعات محلية محدودة، بل شرارات يمكن أن تشعل صراعات إقليمية واسعة وربما مواجهة دولية لا يمكن السيطرة عليها.
الخطر الحقيقي لا يكمن فقط في الضربات العسكرية نفسها، بل في الرسالة التي تحملها: أن القوة فوق القانون. وإذا ترسخ هذا المفهوم، فلن يبقى أي بلد آمناً، لأن الجميع سيبحث عن الردع بأي وسيلة، بما في ذلك سباقات التسلح أو التحالفات العدائية.
السلام العالمي لا يُبنى بإسقاط الأنظمة من الخارج، ولا بالقصف الاستباقي ، بل بالحوار والضغط السياسي والالتزام الحقيقي بالقانون الدولي. فالعالم الذي يسمح بالاعتداء تحت أي ذريعة، إنما يفتح الباب أمام اعتداءات لا تنتهي.
*رئيس اتحاد الاطباء والصيادلة العرب في النمسا.
ربما يكون الاختلاف مع سياسات إيران مشروعاً، وربما يكون نقدها واجباً، لكن الأوجب من ذلك هو رفض تحويل الخلاف السياسي إلى حربٍ جديدة يدفع ثمنها المدنيون قبل غيرهم. فحين يصبح قتل شعبٍ كامل «موضوعاً للنقاش»، تكون الإنسانية نفسها قد خسرت المعركة.
تعليق / الرد من
إقرأ أيضًا
السرقة في زمن الكذب… سرقة القيم والأسماء الإنسانية
نوفا العرب السورية.. تتوجع فارسة اللغات في النمسا!!
الإفطار الرمضاني في فيينا… تقليد إنساني يعزز التعايش في زمن التحديات!!
ستون عاماً بين السجون والخراب… ثم جاء فجر الحرية!!
أنا سعيد لأنني لا أنتظر شيئًا: شهادة إنسانية من قلب النمسا
الاكثر شهرة
إفطار جائع خيرٌ من إفطارٍ جامع!!
إفطار جائع خيرٌ من إفطارٍ جامع!! جلال دشان* لسنا في مقام معاداة أحد، ولا في مقام تصنيف النا...