"نزاز"... أنا ابن الحكاية من ألفها إلى ألفها..!!عمر محمد جمعة
"نزاز"... أنا ابن الحكاية من ألفها إلى ألفها..!!
عمر محمد جمعة*
منذ صفحة الإهداء التي حبّرها بالكلمات التالية: "للذين عبروا سريعاً شريط أخبار حرب البلاد العاجل.. ولم يتسنَ لهم فرصة وداع من كانوا بانتظارهم، أستعيدهم ببعض مني"، سنكتشفُ أن الحرب التي أوهنت البلاد عقداً من الزمن ما زالت المتن السرديّ الأول الذي يلجأ إليه الكتّاب والروائيون اليوم، ولعلّ رواية "نزاز" للأديب السوري طلال مرتضى، المقيم في النمسا، هي في زعمي من بين أهم الروايات التي أرّخت لفصول الحرب التي دفع ثمنها الباهظ الشباب السوري الذي هَجَرَ كلّ شيء ومضى إلى أحلام كبرى بالخلاص الفردي أو الجماعي قبل أن يصحو وقد فتك البحر بجزء من هذه الأحلام وطوت مدن الغرب ببردها ووحشتها وضبابها ما تبقى من تلك الأحلام.
"نزاز".. سردية بسيطة، وفي الوقت نفسه رواية مركّبة، تتعدّد فيها الأحداث والوقائع والأمكنة، وتكثرُ فيها الشخصيات التي نعرفها تارةً ونجهلها تارةً أخرى، هي باختصار اختزال للتراجيديا السورية، آثر طلال مرتضى أن يروي حكاياتها من ألفها إلى ألفها في زمن دائري يبدأ عند ساهر طفل خان السنابل الذي حمل أوزار الماضي وقهره من تلك القرية الغافية على كتف الفرات إلى حلب فدمشق وبيروت واسطنبول وأزمير.. وسواها من المدن التي أوصلته أخيراً إلى فيينا، ليروي لنا في استعادة لأزمنة تلك المدن التي لم تنفكّ أبداً عن الزمن المؤسّس المتخم بالرهبة والخوف من غضب الوالد "السيد" وجبروته، وتعنيف الخالة التي تستعذبُ قهر هذا الطفل اليتيم، يقول: "لكنّني وكلّما كنت أرى زوجتكَ ترضع من ثديها أختي الصغيرة كنتُ أحنّ إلى حليب أمي، أنا لا أذكرُ بأنّها أرضعتني قبل أن يأخذها الله إلى جواره، لا بدّ أنّ له حكمة في ذلك، والسؤال الذي ارتجل نفسه في هذه العجالة من الكتابة هل كنت تعاقبها مثل عقابي؟".
إنها حكاية ساهر الذي ينام ويستفيق على كابوس حزام أبيه الجلدي الذي يلهبُ ظهره، أو نربيش النرجيلة وأسلاكه النحاسية وقد حفرت على ذراعه أو كتفه خطوطاً حمراء أو زرقاء تنزّ منها الآلام والدماء، ساهر الرجل الذي أثقله الحنين وقد غدا على مفارق ودروب لا يعرف أين ستنتهي: "أنا أموت من العزلة في الدقيقة الواحدة ستين مرة، ولكنني لم أزل أفتعلُ الحياة بتحدّ رغماً عن أنفها، من خلال الكتابة وإيلام فناجين القهوة المتلاحقة، والتي تخرجني عن طوري في الصباح التالي". ويقول: "الحنين حرب باردة مجنونة حين تعصفُ خماسينها بالأرواح العاشقة والمتعبة حدّ الذوبان، ليست وحدها الأماكن تتعرض لــ تسونامي مُدمّر؛ لهذا الشوق فعلٌ داخل الصدر يعادل بالقياس حكاية تسونامي الحقيقيّة، يالحريق الروح!!".
على أن هذه الروح المتعبة التي أمضّها الشوق سيحرّرها الراوي من سطوة الحكاية لتمخرَ بنا في عباب الذكريات ورحلة الاغتراب، إذ ثمة قرية يضربها القحط ستكون هي أيضاً من الأماكن التي يتوق ويصرّ مرتضى على استعادتها، ليعضد "نزازه" ويشبع نهم القارئ في معرفة وسؤاله المتناسل: ما الذي يدفع هذا الطفل للفرار من القرية، وتالياً الشاب ليهجر كلّ شيء ويمضي إلى منفاه القسري بعد أن هدمت الحرب بيته وحيّه وحاصرت مدينته، يقول: "ثمة هدوء رتيب يجتاح خان السنابل، لعله هدوء ما قبل العاصفة، تخرقه بعض المناكفات العابرة بين الحاج علاوي من طرف وبين أبناء البلدة من طرف آخر حول تأخرهم عن سداد ديون الموسم الفائت..
ها هي خان السنابل تمرّ مجدداً بموسم قحط، لم يجنِ أهلها ثمن ما بذروه في الأرض الكالحة الملوحة.. إنّها فرصة الحاج علاوي وشريكه المختار المرابي، وكما العادة تنتهي الخلافات بتأجيل الدين إلى الموسم القادم لكن بضعفين، وهذا ما يجعل العديد من الفلاحين يهربون باتجاه المختار لنجدتهم للخلاص من دين الحاج علاوي، لأنّه الوحيد القادر على تخليصهم من قبضته الحديديّة. وهنا يأتي دور المختار، حَمَلُ الحكاية الوديع والمُخلص، حين يُلزمهم بالتوقيع على صكوك مالية مقابل سداد ديونهم".
إنه الظلم إذن الذي يتمدّد ليلْتَهِمَ كلّ أمانيه، ويغرقُ القرية في مجاهل النسيان، بل سيغرق ساهر في وهمه أكثر حين يعتقد أن الفرار من تلك القرية سيخلصه من قهر الماضي ليبحث عن الفردوس المفقود الذي لن يجده في ارتحاله، يقول: "بعد ساعات من التجوال في كراج حلب دمشق، عقدتُ صفقة رابحة مع أحد السائقين، كلّ ما هو مطلوب منّي الآن هو أن أغسل هذا "الباص" الكبير وأمسح زجاجه، مقابل أن يقلّني إلى دمشق، حيث أقنعته بأنّ نقودي ضاعت وأريد العودة إلى أهلي في دمشق، كنتُ مستعداً وقتها لغسل حلب كلّها مقابل الخروج منها.. هذا وقد حصلت على ما أريد حين انطلقت الحافلة في وقت متأخّر باتجاه دمشق..
في بداية الرحلة حاولتُ جاهداً تدوين تفاصيل الطريق، عبثاً فشلت.. فالليل أسدل روحه على الأرجاء، وقتها استسلمتُ كغيري من المسافرين للنوم على صدح امرأة أخرى لم أفهم من كلماتها شيئاً، ولكن بحكم صفاء رأسي بعدما خرجت من حلب صرتُ أردّد ما جادت به تكراراً:
"ما خطرتش على بالك يوم تسأل عني..
وعينيا مجافيها النوم.. يا مسهرني".
أذكرُ وأنا أرنمُ في رأسي: ما خطرتش على بالك يوم..
عبرتني سريعاً لوحة مضاءة بألوان زاهية وامضة كتب عليها "ديك الجن"، بعد خمسة عشر عاماً من الحكاية عرفتُ أنني مررتُ بِحمص وأنا متجه نحو دمشق".
يقول: "عُدتُ إلى الوراء بفعالية الخطف خلفاً "فلاش باك" لبرهة، كان مخاض المنولوج برأسي عسيراً في كلّ المطالع، فالجعبة خاوية إلا من جملة الخسارات، التي ما فتئت تنزاح واحدة حتى تتجلّى أخرى، وكأن يد القدر شاءت أن ترمي بكلّ خيباتها على عاتق هامشي المتخم بالانكسارات".
ومن المكان السوري، مهدُ الذكريات ومنطلق الرحلة نحو المنفى، يثبُ طلال مرتضى نحو المكان اللبناني، المحطة الأولى في تغريبته إلى أوروبا، فيجيدُ ويبرعُ في وصف المكان، ولاسيما العاصمة بيروت، إذ يقول: "دوي انفجارات وصوت إطلاق نار بعيدة جعلتني أستفيقُ من ضياعي الذي أوصلني إلى هنا.
- لماذا أنا هنا.. وماذا تعني بيروت؟.
سؤالٌ محرجٌ، لم أمسك أيّ خيط من خيوط أجوبته التي لن تكون مقنعة الآن..
بيروت.. هذه هي بيروت، مدينة نائمة على عتمتها، هل هي التي سمعت عنها، لا بدّ أنّ خطأ ما وقع في السياقات، بيروت التي أقف الآن مثل مسمار بليد في منتصفها لا كهرباء فيها ولا حركة، يكاد ينعدمُ النور كلياً في أرجائها إلّا ما ندر حين تكسرُ سيارة عابرة بأضوائها جليد العتم".
وبلغة الكاتب المترع بالعشق لمكان عاش في شوارعه وعلى أرصفته كلّ صور الشاب المولع باكتشاف عوالم الليل والنساء وطقوس الحالمين في جنونهم، يقول مرتضى: "حين أكتبُ بيروت يسري الخدر في رؤوس أصابعي، يذوبُ في مسامّها الارتباك، أكاد أتلمّس ضيق نفسها وهي تحتار بالسؤال، من أين أبدأ؟..
بيروت.. أولاً وأخيراً المعشوقة الأولى في حياتي بعد معبودتي الرفيعة دمشق.. فمنذ ركوبي موجة التنسّك والتبّهل، آمنت بها وجاء مقام هواها على مقاس هواي.. بيروت المدينة التي علّمتني الحلم وفتنة الحرف، فملح كلامي الذي قرأتموه والذي سوف تقرؤونه هو عصارة زبد بحرها الرخيم.. بيروت التي احتضنتني طفلاً شريداً كبرت معي وبي، أرضعتني لبان أنوثتها من دون منّة، كيف لا وهي التي فجّرت –وقتها- خرس أصابعي ليندلق نهر الكلام سلسبيلاً يروي عطش الروح".
إذن.. نحن في رواية "نزاز" أمام سيرة سردية تعبرُ المدن والأماكن وترسمها بأصابع من تشرّب عذوبة هذه المدن والأمكنة التي انتهت في فيينا مرجل الحنين، والتي يكتوي ساهر بنيران الشوق فيها، متشهياً استعادة الحكايات كلها من ألفها إلى ألفها!!.
*ناقد وكاتب فلسطيني.
تعليق / الرد من
إقرأ أيضًا
الحكمة ضالة المؤمن.. دروس من العالم لإعادة بناء سوريا !! د. تمام كيلاني
"كل ليلة وليلة... وذاكرة الثلاثاء" !! د. تمام كيلاني
الانحراف السردي ومضمراته الدلالية قصة "ليلة صمت لطوف"!
مريم تمر.. تقول ما لا يقال وتسكن وطنها دوح قصيدة! كوثر جعفر
شوارع الموت: متى نتعلم من جيراننا؟ د. تمام كيلاني
د. تمام كيلاني يزور مشفى جامعة حلب ويسلّم أجهزة طبية حديثة لدعم قسم العينية!
الاكثر شهرة
المرأة بين الهشاشة والتنميط في مجموعة " بائعة الورد للكاتبة لطيفة محمد حسيب القاضي
المرأة بين الهشاشة والتنميط في مجموعة " بائعة الورد للكاتبة لطيفة محمد حسيب القاضي قراءة نقدية...
في يوم الطبيب العالمي!! د. تمام كيلاني
في يوم الطبيب العالمي!! د. تمام كيلاني* في يوم الطبيب العالمي، لا نكتب كلماتٍ عابرة، ولا نكت...
الكاتبة سارة المطيري:أن المعرفة لا تُبنى من طريق واحد
الكاتبة سارة المطيري:أن المعرفة لا تُبنى من طريق واحدأجرى الحوار:لطيفة محمد حسيب القاضي في زمنٍ ت...
"أحدهم يحاول أن يخبرنا شيئاً.. عن تقاطع الميتافيزيقي والرمزيّ مع الواقعي، سمية الإسماعيل
"أحدهم يحاول أن يخبرنا شيئاً.. عن تقاطع الميتافيزيقي والرمزيّ مع الواقعي، سمية الإسماعيل*...