كما في السيرك لعب على حبال الواقع والخيال!! محمد رستم
غلاف المروية
كما في السيرك لعب على حبال الواقع والخيال!!
محمد رستم*
قراءة في رواية أردية الجسد للأديب محمد الحفري
الأردية لغة، جمع قلّة مفرده رداء. وهو ما يلبس فوق الثياب وقد جاء على شكل إسناد مذيّل بالإضافة للتعريف. وهذه العنونة التي تشكل عتبة أولى للمنجز تنطوي على كثافة رمزيّة وتعبيرية تستبطن الحالة الوهميّة التي تسيطر على (المنتشل) الشخصيّة الرئيسة في المنجز. ولعلّ الكاتب قصد بأردية الجسد أنّ أرواحاً متعددة كانت تحلّ في جسد المنتشل ووصفها بصريح القول (عندما كنت... وتبدلت... وأصبحت... وعدت) كنوع من حالات التقمص وببراعة وغواية فائقة وبخبرة ذي الحرفة يدخل الكاتب قارئه صلب الحدث المثير ويسيطر على أحاسيسه بعد أن يصطاده بشباك الحيرة التي تحفّز في أعماقه رغبة الكشف والمعرفة والفضول.
تبدأ الرواية بذهاب المنتشل من قريته إلى دمشق للعمل خلال العطلة الصيفية يساعده في إيجاد العمل ابن قريته (الثرثار) وفعلاً يبدأ العمل في مطحنة أبي عرب وهناك يتعرف على ليلى اليهودية التي تتعامل مع المطحنة وحيث يغدق عليها أبو عرب العطاء والتودد ويكلف المنتشل بنقل الأغراض إلى بيت السيدة ليلى التي تتعلق به ويتعلق بها فتقدم له كل ما يبهجه حتى جسدها.
ويعلي أبو عرب من مكانة المنتشل ويهتم به ويزيد من أجره بل يدعوه إلى بيته ويتناول معه طعام الغداء. وتعجب أم عرب بأخلاقه وتنقده عشر ليرات كي يدعو لها لأنها لا تنجب وكثيراً ما يرى المنتشل خيالات وأوهاماً فيرى نفسه وكأنه أصبح أنثى (ليلى) غير ليلى اليهودية التي ترتحل مع حبيبها ليليان ويتوهان في الصحراء حيث يتم اللقاء الجنسي بينهما ويسعى والد ليلى وراءهما ويقوم بقتل ليليان كما يقوم العبد عوسج بطعن ليلى (المتحولة عن المنتشل) في صدرها.
وتكثر الخيالات التي يراها المنتشل والتي تحكي تحوله إلى شخصيات أخرى في أزمنة وأمكنة مختلفة. مثلاً يرى نفسه مع جيش محاصر في قلعة الحصن ويقوم عوسج بطعن أبيه لاعتقاده بأنه خائن ويريد إيذاء قائد الجيش وينتقل المنتشل للعمل عند ليلى اليهودية التي تقول له إنها ليلى وليست ليليان وتمنحه بيتاً يسكن فيه ثم يبدأ الدوام في معهد الآثار والمتاحف في حمص.
وأثناء عطلة الفصل الثاني يقصد المنتشل بيت ليلى لتقول له عجوز: أنت تسأل عن امرأة سافرت منذ عشر سنوات وعندما قصد مشغل أبي عرب فتحت له الباب فتاة لتخبره أن هذا المكان ليس مشغلاً بل هو منزل يقيم فيه أصحابه منذ وقت طويل وحين قصد منزل أبي عرب وسأله عن ليلى أجاب بأنه لا يعرفها وأخبره بأنه باع المطحنة منذ زمن. وجاء المحامي وسلم المنتشل ما بعهدته (وثيقة تثبت ملكيته للمنزل وملكية وديعة مبلغ كبير من المال في البنك). وواضح أن المادة الحكائية تنهض من مفاعيل المرض الدماغي الذي يعاني منه المنتشل والمعروف باسم (اضطراب الهوية التفارقي) هو نوع من انفصام الشخصيّة ومن خلال أوهامه يبدو المنتشل نموذجاً جهيراً لهذا المرض وتستأثر هذه الشخصيّة بمساحة وفيرة من حركة السرد وحالته المرضيّة هي الضّمير المستتر وراء ما يتوهمه ويصف المنتشل مرضه بقوله: (هناك شقوق صغيرة تنفتح في ذاكرتي لا أستطيع أن أرى من خلالها سوى القليل والرؤية غائمة ومشوشة).
وفي مكان آخر يقول: (للحظات خلت نفسي أدخل في غيبوبة لأرى امرأة باهية الجمال هي ذاتها التي رأيتها مرات كثيرة في أحلامي).
ويؤكد حالته المرضيّة بقوله: (غطت المشاهد بصري بستارة كالوشاح الأبيض فغدوت كأني أعيش في عالم آخر).
ويصف مرضه: (في تلك الليلة انفتحت الشقوق الصغيرة في رأسي وتطابقت صورة أبي عرب مع صورة العبد عوسج).
ويسأل: هل حقاً عشت في تلك الحقبة وبعثت من جديد كما يصور خيالي إن المنتشل وتحت تأثير نوبات مرضه يرى نفسه يتحول إلى شخص آخر ذكر أو أنثى ويعيش أحداثاً ووقائع في أزمان مختلفة وأماكن أخرى.
(أكاد أصدق أنني كنت على تلك الطبيعة في ذلك الزمن وانتقلت أو تحولت إلى طبيعة أخرى تركته وسرحت بفكري مع أنثى كنتُها...).
ويقول عن نفسه (عانيت من أوجاع في الرأس كانت تخرج رأسي من رأسي وفي أحيان كثيرة تجعلني أخبط رأسي في الحائط من شدة الألم. وقد أخذني أبي مرتين إلى الطبيب وها هي ليلى ترسلني إلى الدكتور سليم بن عازر.
لقد أجاد الكاتب رسم شخصيّة المنتشل وتخليق الفضاء المحايث لها حين اختار الأوهام والتخيلات حاملاً لروايته وبدا المنتشل مدمن تهيؤات يضرب في رابعة الأوهام ويسميها انتقالات إنه غارق حد النخاع في هلوساته وأوهامه ومن صلصال مرضه يجسد أشخاص خيالاته فتبدو وكأنها أحلام اليقظة.
وهو مريض منذ طفولته (كثيراً ما كنت أيام الطفولة أصحو مرعوباً) وتأخذه أمه إلى الشيخ عياش الذي يزوده بحجاب وكتأكيد على ثنائية الشخصيّة عند المنتشل وأبي عرب فهما لا يتورعان عن ارتكاب المعصية ومع ذلك لا يتأخران عن الصلاة وكأن في داخلهما شخصيتين الأولى تقية مؤمنة والأخرى فاجرة داعرة. يذكرنا هذا برواية الدكتور جيكل والسيد هايد للأديب لويس ستيفنسن. وهكذا بدت شخصيّة المنتشل إشكالية وقد أجاد الكاتب في تقديمها للقارئ بإطارها النفسي وقلقها الوجودي وهذه الحالة المرضيّة أسبغت على المروية أبعاداً فنية متماسكة وبنت منطقاً داخلياً أحكم سرديتها ورتب حبكتها.
هذا وقد ترك الكاتب الخاتمة مفتوحة على مسارب الاحتمالات فتضارب التواريخ بين معرفة المنتشل لليلى وسفرها وعدم معرفة أبي عرب لليلى تثير الحيرة. كما أن حيرة المنتشل نفسها تضع القارئ كذلك في حيرة من أمره ويتساءل هل ليلى شخصيّة حقيقية أم أنها محض خيال ووهم فالمنتشل يقول (أين ذابت ليلى...؟ فمنذ عشر سنوات لم أكن قد تجاوزت المرحلة الابتدائية بعد بينما لم يمض على لقائنا الثالث أنا وليلى أكثر من عام فكيف مضى على سفرها عشر سنوات..؟؟ ويطرح تساؤلاً يصنّف ضمن الفكر الغيبي... وهذا الذي كان بيننا أهو مجرد عشق بين روحين حائرتين...؟؟ وحين التقيا تجسدا وإذا ابتعدا رجعا روحين..؟؟
وتنتهي الرواية دون أن تبيّن الخيط الأبيض من الخيط الأسود فيما يتعلق بحقائق أحداثها. هل هي واقع أو مجرد أوهام وتخيلات...؟ ولعل المروية ترتكز على فكرة التجسد أو التقمّص التي تعتقد بها بعض الطوائف حتى اليابانيين. فرواية (كافكا على الشاطئ) للأديب هاروكي موراكامي تقوم على هذا الاعتقاد.
والمدهش أن الكاتب هنا يروي حكايتين متداخلتين ومختلفتين في الزمان والمكان حكاية ليليان وليلى والعبد عوسج وهذه أحداثها خيالية.
وحكاية المنتشل والثرثار وأبي عرب وليلى اليهودية وأحداثها واقعية. ومثل هذا الدمج بين حكايتين يذكرنا برواية سمرقند لأمين معلوف.
ولأن الأديب محمد الحفري يحرص على أن يصطاد أكثر من عصفور بحجر واحد لذا فقد جعل لمرويته أكثر من مقولة فتعددت الأهداف الإشارية لها.
ولعل من أهدافها الإشارية تمجيد التراث والإشادة بالأماكن الأثرية ولكثرة ما ذكر من أسماء الأحياء والشوارع والأماكن الأثرية في دمشق كاد النص أن ينحرف ويدخل حقل الكتابة التاريخية والتراثية. (الجامع الأموي، سوق الحميدية، قلعة دمشق، البزورية، المناخلية. ويسهب في وصف بائع العرقسوس ومحل صلّح (ولفت انتباهي ذلك البائع الذي يرتدي لباساً تقليدياً ويضع على رأسه طربوشاً أحمر وخزّانه يشبه إبريقاً ويجذب الزبائن برنين أكوابه).
ولعله يهدف إلى تأكيد واقعية روايته لذا فقد اتخم السرد بأسماء مساجد وشوارع (الجامع الأتابكي ـ قصر سمعايا ـ حي الأمية ـ حارة اليهود).
ويضيء الكاتب فكرة إنسانية حضارية من خلال تناقضاته مع نفسه قال: (ما ذنب ليلى حتى يدعو عليها ذلك الرجل ومن معه حين قال الشيخ اللهم اسحق اليهود والنصارى ما ذنب أي إنسان يهودياً كان أم نصرانياً أو حتى من لا دين له حتى ندعو الله كي يمحقه. أليس الأفضل أن ندعو له بالهداية وفعل الخير؟ فالإنسان في عقيدته ودينه ابن البيئة والمكان الذي يولد فيه ولا يجوز أن نحاسبه في هذا.... والرواية تنتهك خطية الزمن ويتجلى ذلك من خلال مقاطع استرجاعية تحيل إلى أحداث سابقة لحاضر السرد وذلك من خلال التجسد في شخصيات وذكر أحداث من الأزمنة الغابرة.
ولأن اللغة هي الحامل الإبداعي في الأدب فقد أبدع الكاتب لغة موارة بالحركة فيها الكثير من العذوبة وفتنة السرد.
وأجاد وصف المشاهد الجنسية والتي قاربت أن تغدو جزرة غواية للقارئ لكنه اكتفى أن يقترب من شاطئ المتعة بلغة سردية ساحرة وخبيرة إذ وصف اللقاءات الجنسية بين المنتشل وليلى بلغة شاعرية متخمة بالمجازات والاستعارات والمفردات المواربة مما جعل المشاهد غير نافرة وغير جارحة لعفة الذوق.
وتدخل الرواية عالم الواقعية العجائبية من بابه الواسع وذلك من خلال المزاوجة بين الواقع والحلم. أو الخيال. فالمنتشل يتحول إلى شخصيات (ذكورية أحياناً ـ ليليان ـ وأنوثية أخرى (ليلى).
وميّز الكاتب بين وقائع الخيالات والوهم وحوادث الواقع من خلال (تكبير الخط في الطباعة) [وهذا الإجراء (تكبير الخط) يدخل فيما يسمى الفضاء النصي للمنجز].
ولعل التقمص أو التحول أو الانتقال يشكل الصندوق الأسود في المروية وهو ما جعل المنجز إشكالياً يطرح أسئلة كثيفة المثول وتعرض حالة غرائبية شخصياتها عابرة للمألوف.
المنجز يشكل قفزة نوعية في مجال الكتابة الإبداعية السردية.
*كاتب سوري/ حمص.
تعليق / الرد من
إقرأ أيضًا
الرواية " سراب" هل استطاعت الخروج من محيطها؟!
سيدة الصالون… أم كاهنة الفساد في عصر الانحطاط؟
السخرية كقناع لإرث الدم – ردًّا على ما كتبه فراس طلاس
“الكتابة صرخة الحرية: من صمت الخوف إلى زلزال الحقيقة”
ناظم القدسي… رئيس الحرية الذي أسقطه الانقلاب وأحياه التاريخ
الاكثر شهرة
شعبٌ لا ينسى الجميل… لأننا نحبّ الحياة!!..
شعبٌ لا ينسى الجميل… لأننا نحبّ الحياة!!.. جلال دشان* "سوريا بلدكم الثاني. قالوا: «من...
ثلاث كلمات تلخص عمر الإنسان: ضعف.. قوة.. ثم ضعف!!
ثلاث كلمات تلخص عمر الإنسان: ضعف.. قوة.. ثم ضعف!! د. تمام كيلاني* ﴿اللهُ الَّذِي خَلَقَكُمْ...
القاص الإرتري جمال عثمان هُمّد يستظهر شخوصه العسكرية
القاص الإرتري جمال عثمان هُمّد يستظهر شخوصه العسكريةأبوبكر كهال – كاتب إرتريتقع مجموعة هُمّد المعنو...
إفطار جائع خيرٌ من إفطارٍ جامع!!
إفطار جائع خيرٌ من إفطارٍ جامع!! جلال دشان* لسنا في مقام معاداة أحد، ولا في مقام تصنيف النا...