مقهى وذاكرة وشاعر..!! عبدالكريم العفيدلي
مقهى وذاكرة وشاعر..!!
عبد الكريم العفيدلي*
دعاني الشاعر الكبير مبروك بن ماضي إلى حضور أمسية شعرية في مجمع الموسى بشارع العليا في الرياض. كنت أظن أن الأمسية في ذلك اليوم، فالتقينا في مقهى السبعينيات بالمجمع، قبل أن نكتشف أن موعدها الحقيقي في اليوم التالي. ولم نحضر الأمسية، لكن ذلك الخطأ الصغير في الموعد قادني إلى لقاء أظنه أجمل من الأمسية نفسها.
ما إن تدخل مقهى السبعينيات حتى تشعر أن الزمن قد بدّل اتجاهه قليلاً. الأثاث الكلاسيكي، والقطع التراثية، والتفاصيل التي تستحضر سبعينيات القرن الماضي، تمنح المكان طابعاً لا يشبه المقاهي العابرة. الماضي هنا ليس مجرد ديكور، وإنما روح تحيط بالجالس وتدعوه إلى التمهل.
وللمكان، فوق ذلك، شخصية ثقافية واضحة، فهو يجمع الأدباء والشعراء والفنانين التشكيليين، ويمنحهم مساحة للجلوس والحديث واللقاء. وهنا يستعيد المقهى شيئاً من دوره القديم بوصفه فضاء للثقافة ، مكانا لا تحتاج فيه الفكرة إلى منصة، ولا يحتاج الحوار إلى مناسبة رسمية. يكفي أن تجلس إلى الطاولة الصحيحة حتى تبدأ الحكاية.
وكانت حكايتي مع مبروك بن ماضي.....
أعرف هذا الشاعر منذ ما يقارب ثلاثين عامًا، لكنني عرفته من خلال المجلات والصحف؛ من القصائد المنشورة، والحوارات، والأخبار الثقافية. كان بيني وبينه طوال تلك السنوات حجاب رقيق من الورق؛ أقرأ الشاعر وأعرف اسمه، لكنني لم ألتقِ الإنسان.
في مقهى السبعينيات انزاح الحجاب.
وجدت الشاعر أمامي، بعيداً عن المنصة والجمهور والميكروفون. جلسنا وتحدثنا، وكان للقاء عفويته التي لا تمنحها الأمسيات الرسمية دائماً. هناك، في ذلك المكان الذي يستعيد زمناً قديماً، بدا لي أن ثلاثين عاماً من المعرفة المؤجلة يمكن أن تختصرها جلسة واحدة.
ثم اكتشفنا أن الأمسية التي جئنا من أجلها ليست في ذلك اليوم، وإنما في اليوم التالي...لكننا لم نذهب إليها.
ولعل هذا هو أجمل ما في الحكاية.
فقد كانت هناك أمسية أخرى قد بدأت بالفعل، أمسية بلا منصة ولا إعلان ولا جمهور.
كان مبروك بن ماضي شاعرها، وكنت أنا جمهورها.
ومبروك بن ماضي ليس شاعراً ارتبط اسمه بالقصيدة وحدها؛ فقد امتد شعره إلى الأغنية، ومن أشهر ما كتب "لولا المحبة" التي غنتها نوال الكويتية، فخرجت كلماته من الصفحة إلى الصوت، ومن النص إلى الذاكرة الغنائية.
ولهذا بدا اللقاء في مقهى يستعيد السبعينيات وكأنه يلتقي فيه أكثر من زمن: زمن الشاعر وتجربته، وزمن المكان وذاكرته، وزمن طويل من المعرفة التي بقيت معلقة بين قارئ وشاعر حتى أتاح لها لقاء عابر أن تكتمل.
ربما تكمن قيمة المقهى الثقافي في هذا تحديداً: أنه يعيد الثقافة إلى أصلها الإنساني ،الجلوس والحديث والإنصات. ففي زمن نعرف فيه الأدباء والشعراء من الشاشات، يصبح اللقاء المباشر شيئاً من استعادة العلاقة القديمة بين صاحب النص وقارئه.
خرجت من مقهى السبعينيات وأنا لا أشعر بأنني فاتتني أمسية.
كنت قد حضرت واحدة، لكنها من نوع آخر.
أمسية لا موعد لها في برنامج، ولا منصة لها، ولا جمهور سوى واحد.
جلس فيها الشاعر إلى قارئه، وجلس الماضي إلى الحاضر، وكان المقهى شاهدًا على لقاء انتظر قرابة ثلاثين عامًا حتى يحدث.
مقهى وذاكرة وشاعر...
ثلاث كلمات تختصر مساءً لم يكن موعده صحيحاً، لكنه كان في المكان الصحيح.
* كاتب وشاعر سوري.
كلمات البحث
إقرأ أيضًا
حين ينهض الموتى لمحاكمة جلّاديهم..!! د. تمام كيلاني
في طريق العودة من سوريا إلى فيينا، كان لا بد من "استراحة قسرية"..!! د. تمام كيلاني
بين نشوة الوطن وصدمة الواقع: حين تصطدم المحبة بالفوضى!
سوريا بعد التحرير: تحررنا من الطاغية.. ولم نتحرر من الفوضى!
الكاميرا والعدم: جدلية التوثيق والموت في سردية الحرب!! طه عبد الرحمن
"نزاز"... أنا ابن الحكاية من ألفها إلى ألفها..!!عمر محمد جمعة
الحكمة ضالة المؤمن.. دروس من العالم لإعادة بناء سوريا !! د. تمام كيلاني
الاكثر شهرة
المرأة بين الهشاشة والتنميط في مجموعة " بائعة الورد للكاتبة لطيفة محمد حسيب القاضي
المرأة بين الهشاشة والتنميط في مجموعة " بائعة الورد للكاتبة لطيفة محمد حسيب القاضي قراءة نقدية...
في يوم الطبيب العالمي!! د. تمام كيلاني
في يوم الطبيب العالمي!! د. تمام كيلاني* في يوم الطبيب العالمي، لا نكتب كلماتٍ عابرة، ولا نكت...
الكاتبة سارة المطيري:أن المعرفة لا تُبنى من طريق واحد
الكاتبة سارة المطيري:أن المعرفة لا تُبنى من طريق واحدأجرى الحوار:لطيفة محمد حسيب القاضي في زمنٍ ت...
"أحدهم يحاول أن يخبرنا شيئاً.. عن تقاطع الميتافيزيقي والرمزيّ مع الواقعي، سمية الإسماعيل
"أحدهم يحاول أن يخبرنا شيئاً.. عن تقاطع الميتافيزيقي والرمزيّ مع الواقعي، سمية الإسماعيل*...