الغوطة… جريمة لا يجوز أن تموت مع الضحايا..!! د. تمام كيلاني

الغوطة… جريمة لا يجوز أن تموت مع الضحايا..!! د. تمام كيلاني

الغوطة… جريمة لا يجوز أن تموت مع الضحايا..!!

 

د. تمام كيلاني*

 

في فجر الحادي والعشرين من آب/عام 2013، استيقظت الغوطة السورية على واحدة من أبشع الجرائم التي عرفها القرن الحادي والعشرون.

 

لم يكن الموت في ذلك الصباح يشبه الموت الذي اعتاده السوريون خلال سنوات الحرب.

 

لم تكن قذيفة تسقط على منزل، ولا رصاصة تخترق جسدًا، ولا طائرة تقصف شارعًا.

 

كان الموت هذه المرة غازًا لا يُرى.

 

تسلل إلى البيوت والأقبية، إلى غرف الأطفال، إلى أماكن احتمى فيها المدنيون من الحرب، فتحولت الملاجئ التي ظن أهلها أنها ستحميهم إلى أماكن للموت.

 

لقد وثقت بعثة الأمم المتحدة استخدام الأسلحة الكيميائية في الغوطة على نطاق واسع، وأكدت وجود أعداد كبيرة من الضحايا، معظمهم من المدنيين.  

 

لكن وراء كلمة «ضحايا» قصصًا لا يمكن اختصارها في رقم.

 

كان هناك طفل ينتظر صباحًا جديدًا.

 

وأمٌّ كانت تحلم بأن ترى أبناءها يكبرون.

 

وأبٌ خرج من منزله ولم يعرف أنه لن يعود.

 

وكان هناك طبيب يحاول إنقاذ عشرات المصابين بينما الإمكانات تنهار أمام حجم الكارثة.

 

الغوطة ليست رقمًا

 

بعد مرور السنوات، من السهل أن تتحول المأساة إلى سطر في كتاب تاريخ:

 

«مجزرة الغوطة الكيميائية – 21 آب 2013».

 

لكن الغوطة ليست تاريخًا.

 

الغوطة أسماء ووجوه وبيوت وعائلات.

 

الغوطة أطفال لم يكبروا.

 

أمهات فقدن أبناءهن.

 

آباء دفنوا أطفالهم.

 

وأطباء عاشوا واحدة من أكثر الليالي رعبًا في حياتهم.

 

ولهذا فإن أخطر ما يمكن أن يحدث ليس فقط أن تقع الجريمة، بل أن يعتاد العالم عليها ثم ينساها.

 

السلاح الذي لا يرى الإنسان

 

تكمن وحشية السلاح الكيميائي في أنه لا يمنح ضحيته فرصة عادلة للهروب.

 

لا يميز بين مقاتل ومدني.

 

لا يسأل عن العمر.

 

لا يفرق بين رجل وامرأة أو بين طفل وشيخ.

 

ولهذا أصبح استخدام الأسلحة الكيميائية من أكثر الأفعال التي يدينها القانون الدولي والضمير الإنساني.

 

وقد خلصت الأمم المتحدة إلى أن السارين استُخدم في هجوم الغوطة، وأن الهجوم تسبب في عدد كبير من الضحايا، خصوصًا بين المدنيين.  

 

وهنا لا بد أن نتوقف أمام سؤال أخلاقي قبل أن يكون سياسيًا:

 

كيف يستطيع إنسان أن يأمر بقتل أطفال بهذه الطريقة؟

 

وبعد سقوط النظام… أين العدالة؟

 

في الثامن من كانون الأول 2024 سقط نظام بشار الأسد، وانتهت عقود من حكم عائلة الأسد، وبدأت سوريا مرحلة جديدة.  

 

لكن سقوط النظام لا يعني أن الجريمة سقطت معه.

 

بل على العكس.

 

سقوط النظام يجب أن يكون بداية العدالة، لا نهايتها.

 

اليوم تقع على عاتق الدولة السورية الجديدة مسؤولية تاريخية تجاه الضحايا وذويهم.

 

يجب فتح ملفات الجرائم الكبرى، وفي مقدمتها ملف الغوطة الكيميائية.

 

يجب البحث عن كل من شارك في الجريمة:

 

من أصدر الأمر؟

 

من خطط؟

 

من جهّز؟

 

من نقل السلاح؟

 

من أعطى تعليمات التنفيذ؟

 

من نفّذ؟

 

ومن عرف بالجريمة وساعد على إخفائها أو التستر عليها؟

 

هذه ليست أسئلة للانتقام.

 

هذه أسئلة العدالة.

 

وقد أصبح لدى المؤسسات الدولية بالفعل كمّ كبير من الأدلة والمعلومات المتعلقة بجرائم الأسلحة الكيميائية السورية، وقد أعلنت آلية الأمم المتحدة الدولية أنها شاركت أدلة مع جهات قضائية وطنية، ومنها ملفات تتعلق بالهجمات الكيميائية في الغوطة ودوما.  

 

إذن، ليس المطلوب أن تبدأ العدالة من الصفر.

 

المطلوب هو أن تتحول الأدلة إلى ملفات قضائية حقيقية.

 

لا أحد فوق القانون

 

إذا كانت سوريا الجديدة تريد أن تبني دولة مختلفة عن الدولة التي سبقتها، فعليها أن تقدم نموذجًا مختلفًا للعدالة.

 

لا يجوز أن يكون هناك شخص فوق القانون .

ولا يجوز أن يقال لمن أصدر أمرًا بقتل المدنيين: «كنت تنفذ أوامر».

 

فالمسؤولية يجب أن تصل إلى سلسلة القيادة كاملة، وكل شخص تثبت الأدلة مسؤوليته يجب أن يمثل أمام القضاء.

 

وفي المقابل، يجب ألا تتحول العدالة إلى انتقام جماعي أو محاكمات سياسية.

 

فالعدالة الحقيقية أقوى من الانتقام.

 

تحقيق مستقل، أدلة موثقة، محاكمة عادلة، وحكم يصدر باسم القانون.

 

هذه هي الدولة التي يجب أن تولد من رماد الحرب.

 

الغوطة تنتظر أسماء

 

ربما يستطيع السياسي أن ينسى.

 

وربما يستطيع العالم أن ينتقل إلى ملف جديد.

 

وربما تتغير الحكومات والتحالفات والحدود السياسية.

 

لكن أمًّا فقدت طفلها في الغوطة لن تنسى.

 

وأبًا حمل ابنه الميت لن تنسى ذاكرته ذلك الصباح.

 

والطبيب الذي وقف أمام عشرات الأجساد لن يستطيع أن يمحو تلك الصور من ذاكرته.

 

لهذا يجب أن تبقى الغوطة في قلب العدالة السورية.

 

يجب أن يعرف السوريون والعالم:

 

من أمر؟

 

من نفّذ؟

 

من تستر؟

 

ومن حاول أن يدفن الحقيقة؟

 

إن الإجابة عن هذه الأسئلة ليست ثأرًا.

 

إنها حق الضحايا.

 

العدالة ليست انتقامًا

 

هناك فرق هائل بين أن تنتقم الدولة، وأن تحقق العدالة.

 

 

أما العدالة فتبحث عن الحقيقة.

 

الانتقام يعاقب بسبب الانتماء.

 

أما العدالة فتعاقب بسبب الفعل والمسؤولية

أما العدالة فتبني دولة.

 

ولهذا فإن سوريا الجديدة أمام امتحان تاريخي:

 

هل ستبني دولة يكون فيها القانون أقوى من الحاكم؟

 

أم ستعيد إنتاج ثقافة الإفلات من العقاب بأسماء جديدة؟

 

إن مستقبل سوريا لا يتوقف فقط على إعادة بناء المدن والاقتصاد والمؤسسات.

 

بل يتوقف أيضًا على قدرتها على إعادة بناء الثقة بين المواطن والدولة.

 

ولا يمكن بناء هذه الثقة من دون عدالة.

 

الغوطة… رسالة إلى المستقبل

 

لقد مات أطفال الغوطة، لكن موتهم يجب ألا يكون بلا معنى.

 

إذا تحولت جريمة الغوطة إلى قضية قضائية موثقة، وإذا تمت محاسبة المسؤولين عنها وفق القانون، وإذا عرف السوريون أن الدولة الجديدة لا تحمي المجرم بسبب منصبه، فإن دماء الضحايا ستصبح جزءًا من تأسيس دولة جديدة.

 

دولة تقول:

 

لا أحد فوق القانون.

 

لا رئيس.

 

لا وزير.

 

لا قائد عسكري.

 

لا ضابط.

 

ولا أي شخص آخر.

 

ومن يثبت القضاء مسؤوليته عن قتل الأبرياء، فليتحمل نتيجة أفعاله أمام العدالة.

 

هذه ليست دعوة للانتقام.

 

إنها دعوة إلى إغلاق صفحة الإفلات من العقاب.

 

الغوطة تحتاج إلى الحقيقة.

 

وتحتاج إلى العدالة.

 

وتحتاج إلى أسماء.

 

وتحتاج إلى محاكمات.

 

وتحتاج إلى أن يسمع العالم يومًا حكمًا يقول بوضوح:

 

هذه الجريمة وقعت.

وهؤلاء هم المسؤولون عنها.

وهذه هي الأدلة.

وهذا هو حكم القانون.

 

عندها فقط يمكن أن نقول إن سوريا بدأت فعلًا في الخروج من زمن الخوف.

 

فالتاريخ لا يطلب منّا أن ننتقم من الماضي.

 

لكنه يطلب منا ألا نسمح للماضي بأن يتكرر.

 

الغوطة ليست ذكرى.

الغوطة عهد.

عهدٌ بأن دماء الأبرياء لن تُنسى، وأن الجريمة مهما طال الزمن لن تصبح بلا صاحب.

 

*رئيس الجمعية الطبية الأوربية العربية/ فيينا.

 


تعليق

إقرأ أيضًا

بوابة دمشق

"نبض الزيتون".. نبضُ الحبّ ينبوعُ الحياة!

"نبض الزيتون".. نبضُ الحبّ ينبوعُ الحياة!
بوابة دمشق

حين ينهض الموتى لمحاكمة جلّاديهم..!! د. تمام كيلاني

حين ينهض الموتى لمحاكمة جلّاديهم..!! د. تمام كيلاني
بوابة دمشق

مقهى وذاكرة وشاعر..!! عبدالكريم العفيدلي

مقهى وذاكرة وشاعر..!! عبدالكريم العفيدلي
بوابة دمشق

في طريق العودة من سوريا إلى فيينا، كان لا بد من "استراحة قسرية"..!! د. تمام كيلاني

في طريق العودة من سوريا إلى فيينا، كان لا بد من "استراحة قسرية"..!! د. تمام كيلاني
بوابة دمشق

بين نشوة الوطن وصدمة الواقع: حين تصطدم المحبة بالفوضى!

بين نشوة الوطن وصدمة الواقع: حين تصطدم المحبة بالفوضى!
بوابة دمشق

واقعية الحكاية والسرد في روايتي عائشة قسوم

واقعية الحكاية والسرد في روايتي عائشة قسوم
بوابة دمشق

سوريا بعد التحرير: تحررنا من الطاغية.. ولم نتحرر من الفوضى!

سوريا بعد التحرير: تحررنا من الطاغية.. ولم نتحرر من الفوضى!
بوابة دمشق

الكاميرا والعدم: جدلية التوثيق والموت في سردية الحرب!! طه عبد الرحمن

الكاميرا والعدم: جدلية التوثيق والموت في سردية الحرب!! طه عبد الرحمن


الاكثر شهرة
المرأة بين الهشاشة والتنميط في مجموعة " بائعة الورد للكاتبة لطيفة محمد حسيب القاضي

  المرأة بين الهشاشة والتنميط  في مجموعة " بائعة الورد للكاتبة لطيفة محمد حسيب القاضي قراءة نقدية...

في يوم الطبيب العالمي!! د. تمام كيلاني

في يوم الطبيب العالمي!!   د. تمام كيلاني*   في يوم الطبيب العالمي، لا نكتب كلماتٍ عابرة، ولا نكت...

الكاتبة سارة المطيري:أن المعرفة لا تُبنى من طريق واحد

 الكاتبة سارة المطيري:أن المعرفة لا تُبنى من طريق واحدأجرى الحوار:لطيفة محمد حسيب القاضي  في زمنٍ ت...

"أحدهم يحاول أن يخبرنا شيئاً.. عن تقاطع الميتافيزيقي والرمزيّ مع الواقعي، سمية الإسماعيل

    "أحدهم يحاول أن يخبرنا شيئاً.. عن تقاطع الميتافيزيقي والرمزيّ مع الواقعي،     سمية الإسماعيل*...

تابعونا


جارٍ التحميل...