"نبض الزيتون".. نبضُ الحبّ ينبوعُ الحياة!

 

"نبض الزيتون".. نبضُ الحبّ ينبوعُ الحياة!

 

هدى حمد أبو حسن*


ما بين تصنيفها الأدبي، هل هي قصة طويلة أو رواية قصيرة، سيجدُ القارئ نفسه مشدوداً قسراً في كتاب "نبض الزيتون" إلى الحكاية التي تعدّ المرأة محورها الرئيسي، وأجادت الأديبة المبدعة سامية عزام رسمَ معالمها المكانية وسيّرت شخصياتها بما يلبي المقولة التي أرادت إيصالها وفحواها أن الإرادة والثبات لا يعرفان الانكفاء أو الانكسار أو المستحيل.
لكن وبجرأة الواثق بما يقرأ، سنعدّ هذا الكتاب الذي يقع في 83 صفحة من القطع المتوسط، وصدر مؤخراً عن دار العوام للطباعة والنشر والتوزيع، رواية قصيرة، ولاسيما إذا سلّمنا برغبة الكاتبة الصادقة بأن تهدينا اليوم كتاباً جديداً في سلسلة كتبها القادمة، وما أجمل وأغلى أن تهدي الإنسان كتاباً ليقرأه، ويستلهم حكاياته وعبره، في زمنٍ أغبر عزّت فيه القراءة وتراجعت لصالح شبكات التواصل الاجتماعي وصفحات السوشال ميديا التي هتكت شبكة علاقاتنا الاجتماعية وطغت على أيامنا حتى احتلتها وبتنا بإرادة أو بغير إرادة أسرى لها!.
لقد عرفت القصةُ والروايةُ السورية أنماطاً ومستويات مختلفة في السرد والتعبير الأدبي، فوقفنا في أغلب قراءاتنا عند الاتجاه الرومانسي والكلاسيكي والواقعي أو الواقعي الجديد، وربما ما بعد الواقعي كالرمزي والسريالي وسواهما، والذي نلمسُ بعضه اليوم في الرواية التي تضعها بين أيدينا الكاتبة سامية عزام بعنوان "نبض الزيتون"، إذ سنكتشفُ بعد الانتهاء من قراءتها أن العنوان تكثيفٌ للحكاية التي تمحورت حول الواقع الاجتماعي للمرأة في بلادنا، لكن الكاتبة ذهبت فيها أبعد من المفهوم الضيّق لدور هذه المرأة لنلمس أن "نبض الزيتون" هو نبض الحبّ والإرادة الصلبة التي ستغدو ينبوعاً للحياة.
وانطلاقاً من تجربتي ككاتبة وقارئة، وفي الوقت نفسه محامية تعرفُ أدقّ التفاصيل في مثل حكاية أم شيماء بطلة الرواية، فإنني أرى أن سامية عزام اختارت الجانب الأكثر تعقيداً في حياتنا، وأعني به مشكلاتنا الاجتماعية، ولاسيما بين قطبي الوجود البشري، الرجل والمرأة، لتؤكد أن الأدب الأكثر بقاءً وخلوداً هو ذلك الذي يولد من رحم المعاناة الحقيقية، ويتحوّل من تجربة فردية إلى رمزٍ إنساني عام، وإنقاذٍ للذات من الهامش إلى مركز الفاعلية، خاصة وأن الأدب المعاصر يسعى جاهداً إلى استعادة صوته الإنساني الصادق.
ولأن القصة أو الرواية ليست مجرد تدوين لحادثة اجتماعية أو نقلٍ ميكانيكي لواقع مرير، بل هي اشتغالٌ فنيٌّ على مفهوم "التحول" في الشخصية الإنسانية تحت ضغط المعاناة، فإن ذهاب الكاتبة إلى هذا العنوان الموحي، يعكس ذكاء لافتاً، يكثّفُ في طياته ثنائية الثبات والنمو، فـ"الزيتون" رمز للبيئة الريفية الأصيلة والجذور الراسخة في الأرض، بينما يشير "النبض" إلى الاستمرارية والحياة والتجددّ المرتقب والمأمول والمشتهى رغم قسوة الأحداث والتحولات المفجعة التي واجهتها أم شيماء.
اعتمدت سامية عزام في روايتها على بناء درامي ينطلقُ من النقطة الحرجة، امرأةٌ أفجعتها الحياة، تلوم القدر وتحاكي نفسها قائلةً: "كيف قادني القدرُ وتزوّجتُ من عادل الذي لا يمتّ للعدل بصلة، وذنبي الوحيد أنني أنجبتُ ثلاث بنات، فكان ينعتني بأم البنات؟!"، حيث لم يستغرق النصُ وقتاً طويلاً في التمهيد للمعاناة المضنية والصبر والسكوت المرير وصولاً إلى بؤرة الحدث (الطلاق)، بل جعلَ من قسوة الزوج وتلذّذه بالإهانة على خلفية "إنجاب البنات" أرضية خصبة للانفجار والتصاعد الدرامي، لنجد أن لحظة التأزم أو (الذروة) تتجسّد في كلمة "لن أسمح لأبي جمال بالتطاول عليَّ، هذه الـ"لن" كانت ثورة، أي لم تكن مجرد حرف رفض لغويّ، بل كانت انزياحاً سيكولوجياً أخرج المرأة من حالة السلبية والاستسلام والرضوخ إلى حالة "الفاعلية" والكينونة التي تبحث عن تحقيق أو الانتصار لذاتها المكلومة.
في المفصل الأساسي للحكاية، سنجدُ أن الطلاق لم يكن هنا نهايةً أو انكساراً كلاسيكياً، بل جاء بمثابة "الحدّ الفاصل" بين عالمين: عالم العبودية والارتهان لسطوة الآخر (الزوج) واستبداده، وعالم الحرية المنطلق نحو آفاقٍ واسعةٍ مشوبةٍ بالمسؤولية، ونجد أيضاً لدى التعمّق في سيرورة الحكاية أن الحبكة تحوّلت من الاستسلام والبكاء والتهميش الاجتماعي إلى رحلة كفاح وإثبات ذات، حيث أصبحت تربية البنات وتخليصهن من إرث الماضي هدفاً مشروعاً لوجود أم شيماء.
وعلى مستوى حضور الشخصيات وتأثيرها، تشكّل البطلة (المرأة الريفية كريمة أو أم شيماء) الشخصية المحورية للنص، إضافة إلى زوجها أبي جمال، حيث استطاعت الكاتبة أن ترسمها بواقعية شديدة، فهي تحمل في طياتها صلابة الأرض، وتختزن ألم التهميش والقهر، لكنها بالمقابل وبفعل التحدي، تملك إرادة فائقة تحوّل الألم إلى أمل وقوة محركة، لتصير رمزاً للمرأة التي تُنتزع منها إرادتها فتعيد بناءها من جديد.
أما الزوج عادل أو أبو جمال، فهو الرمز الذكوري القاسي، إذ لم يظهر كشخص عادي بقدر ما ظهر كـ"نموذج سلطوي مستخفٍ مستبد" يمارس قسوته بناءً على موروث وهميّ (تفضيل إنجاب الذكور على البنات)، إضافة إلى شغفٍ بالإهانة والسبّ والشتم الممنهج الصادر منه، ما يعكسُ هشاشة داخله العاجز والمضطرب!.
وعلى ضفة الأم، تظهرُ شخصيات بناتها شيماء وغادة وعتاب اللواتي لم يكنّ هامشاً أو تفصيلاً صغيراً في سطور الحكاية، بل كنّ فعلاً موازياً ومُحرّكاً وجودياً لأحلام الأم بعد الطلاق، حيث منحتهنَ كلّ ما تملك لتعوّضهن ما فقدن من حنان الأب وعنايته واهتمامه، حتى أنها طلبت منهن التواصل معه في محنته ومرضه الذي أورثه إياه زواجه الفاشل من بديعة التي أنجبت له جمال (الذكر الموعود) بعد أن سلبته كلّ شيء وجرّدته حتى من البيت والأرض وأشجار الزيتون.
وعلى المستوى اللغوي والجماليات البلاغية ورشاقة السرد، فإن لغة الكاتبة تميّزت بالواقعية والبساطة المشحونة بالعاطفة، إضافة إلى مراعاة واضحة للبيئة الريفية في اختيار الألفاظ والجمل والمفردات، والربط بين شجرة الزيتون المباركة الصبورة وبين جسد المرأة وروحها، لتقدّم لنا صوراً شفافة، تعكس التحول من ظلمات الانكسار إلى ضياء العصامية والاستقلال المالي والمعنوي.
أخيراً يمكن القول: قضايا كثيرة يمكن الوقوف عندها في هذا العمل الأدبي الممتع "نبض الزيتون" الذي يعدّ صرخة ناعمة ورصينة، وأحياناً مدوّية في وجه الظلم، ووثيقة جمالية تؤكد أن الانكسار أو الاستسلام القسريّ ليس قدر المظلومين، بل قد يكون خطوة البداية لاستعادة الذات، فالنص بحمولته الفكرية وموضوع حكايته يحمل شحنة وأبعاداً إنسانية عالية تستمدّ قوتها من قربها الشديد من الواقع الحيّ، وتُنبئ بولادة كاتبة تمتلك الحسّ والوعي والقدرة على سبر أغوار النفس البشرية، والكتابة عن التناقضات والتحولات الاجتماعية التي نعرفها ونعيشها جميعاً.
يُذكر أن قصر الثقافة في مدينة السويداء شهد قبل أيام حفل توقيع رواية "نبض الزيتون" للكاتبة سامية عزام، بمشاركة المحامية الأستاذة هدى أبو حسن والإعلامي الأستاذ معين العماطوري.


* كاتبة ومحامية سورية، السويداء.


تعليق

إقرأ أيضًا

بوابة دمشق

الغوطة… جريمة لا يجوز أن تموت مع الضحايا..!! د. تمام كيلاني

الغوطة… جريمة لا يجوز أن تموت مع الضحايا..!! د. تمام كيلاني
بوابة دمشق

حين ينهض الموتى لمحاكمة جلّاديهم..!! د. تمام كيلاني

حين ينهض الموتى لمحاكمة جلّاديهم..!! د. تمام كيلاني
بوابة دمشق

مقهى وذاكرة وشاعر..!! عبدالكريم العفيدلي

مقهى وذاكرة وشاعر..!! عبدالكريم العفيدلي
بوابة دمشق

في طريق العودة من سوريا إلى فيينا، كان لا بد من "استراحة قسرية"..!! د. تمام كيلاني

في طريق العودة من سوريا إلى فيينا، كان لا بد من "استراحة قسرية"..!! د. تمام كيلاني
بوابة دمشق

بين نشوة الوطن وصدمة الواقع: حين تصطدم المحبة بالفوضى!

بين نشوة الوطن وصدمة الواقع: حين تصطدم المحبة بالفوضى!
بوابة دمشق

واقعية الحكاية والسرد في روايتي عائشة قسوم

واقعية الحكاية والسرد في روايتي عائشة قسوم
بوابة دمشق

سوريا بعد التحرير: تحررنا من الطاغية.. ولم نتحرر من الفوضى!

سوريا بعد التحرير: تحررنا من الطاغية.. ولم نتحرر من الفوضى!
بوابة دمشق

الكاميرا والعدم: جدلية التوثيق والموت في سردية الحرب!! طه عبد الرحمن

الكاميرا والعدم: جدلية التوثيق والموت في سردية الحرب!! طه عبد الرحمن


الاكثر شهرة
المرأة بين الهشاشة والتنميط في مجموعة " بائعة الورد للكاتبة لطيفة محمد حسيب القاضي

  المرأة بين الهشاشة والتنميط  في مجموعة " بائعة الورد للكاتبة لطيفة محمد حسيب القاضي قراءة نقدية...

في يوم الطبيب العالمي!! د. تمام كيلاني

في يوم الطبيب العالمي!!   د. تمام كيلاني*   في يوم الطبيب العالمي، لا نكتب كلماتٍ عابرة، ولا نكت...

الكاتبة سارة المطيري:أن المعرفة لا تُبنى من طريق واحد

 الكاتبة سارة المطيري:أن المعرفة لا تُبنى من طريق واحدأجرى الحوار:لطيفة محمد حسيب القاضي  في زمنٍ ت...

"أحدهم يحاول أن يخبرنا شيئاً.. عن تقاطع الميتافيزيقي والرمزيّ مع الواقعي، سمية الإسماعيل

    "أحدهم يحاول أن يخبرنا شيئاً.. عن تقاطع الميتافيزيقي والرمزيّ مع الواقعي،     سمية الإسماعيل*...

تابعونا


جارٍ التحميل...