بين قيس بن الملوح ومحمد الحفري..!!عبدالكريم العفيدلي*
بين قيس بن الملوح ومحمد الحفري..!!
عبدالكريم العفيدلي*
كنت أستغرب دائماً حديث الأديب محمد الحفري عن الرقة. لم يكن يتحدث عنها كمدينة زارها أو أقام فيها بل ككائن حيّ يسكنه. أسماء الشوارع، المقاهي، والأحياء القديمة كانت حاضرة في ذاكرته بدقة تُشبه ذاكرة من عاش عمره هناك، لا ذاكرة زائر عابر.
وفي زيارته الأخيرة للرقة، أخبرني الأديب محمد الطاهر أنه كان يمشي معه من المتحف إلى شارع المنصور، ثم إلى حارة العجيلي وحديقة الرشيد، فإذا بالحفري يشير إلى الأمكنة كمن يقرأ نصاً محفوظاً عن ظهر قلب. عندها فقط بدأت تتضح الحقيقة: ما يجمعه بالرقة ليس معرفة، بل علاقة حب أعادت تشكيل المكان في ذاكرته.
ولم يتوقف الأمر عند حدود المدينة. ففي نشاطاتنا الثقافية في دمشق، كان الحفري يطلب منا أن نغازل الرقة بشعرها الشعبي، ويصغي إلى أغانيها وموروثها بإحساس الانتماء لا الفضول. حتى الحكايات الشعبية تسربت إلى أدبه، وكأن السرد الشفهي للرقة وجد طريقه إلى نصه، ليصبح جزءًا من لغته الإبداعية.
هنا يصبح السؤال أعمق: هل نحن نحب المكان فعلاً، أم نحب ما يفعله الحب بنا في ذلك المكان؟
في التراث العربي، يقدّم قيس بن الملوح جواباً مكثفاً لا يحتمل التأويل:
وما حبُّ الديار شغفن قلبي
ولكن حبُّ من سكن الديارا
عند قيس، المكان ليس سوى ظلّ للحبيبة. الديار تختفي تقريباً، ولا يبقى منها إلا ما يقود إلى ليلى. الحب هنا يُلغي المكان، ويحوّله إلى إشارة عابرة نحو شخص واحد.
أما تجربة الحفري فتذهب في اتجاه مختلف تماماً.
فهو لم يقف عند "من سكن الديار"، بل تجاوزها إلى الديار نفسها: أحب الرقة بكل ما فيها، لا بوصفها خلفية لقصة حب، بل بوصفها عالماً كاملاً تشكّل حول تلك القصة. أحب ناسها، ولهجتها، وأغانيها، وموروثها الشعبي، وحكاياتها اليومية، حتى أصبحت المدينة لا تُختزل في شخص، بل تتسع لتصبح ثقافة كاملة يعيش داخلها الحب بدل أن يمرّ بها فقط.
وهنا يظهر الفرق الحاسم:
قيس اختزل المكان في امرأة، فاختفى المكان تقريباً وبقيت الحبيبة وحدها.
أما الحفري فقد وسّع الحب، فحوّل المرأة إلى بوابة نحو مدينة كاملة، ثم حوّل المدينة إلى ذاكرة حيّة تشمل الناس والصوت والحكاية والتراث.
ومن منظور نفسي، يمكن فهم ذلك باعتباره تحولاً في طبيعة التعلّق العاطفي. فالحب لا يبقى محصوراً في الشخص، بل يتمدد إلى كل ما يحيط به: صوته، ذائقته، لغته، وأمكنته. ومع الزمن، تصبح هذه العناصر جزءاً من بنية الذاكرة العاطفية نفسها.
لهذا لا نتذكر الأماكن كما هي، بل كما كنّا فيها مع من نحب. لا نتذكر الشوارع بقدر ما نتذكر أنفسنا فيها، ولا المدن بقدر ما نتذكر حالتنا الشعورية ونحن نعيشها.
وفي حالة الحفري، لم تعد الرقة مدينة خارجية يمكن زيارتها، بل أصبحت مدينة داخلية تسكنه: في ذاكرته، وفي لغته، وفي نصه الأدبي. لذلك دخلت الأغنية الشعبية إلى وجدانه، وتسربت الحكاية الشعبية إلى كتابته، وأصبح التراث نفسه امتداداً لتجربة حب شخصية تحولت مع الزمن إلى انتماء ثقافي.
في النهاية، إذا كان قيس بن الملوح قد أحب الديار لأنها تشير إلى ليلى، فإن محمد الحفري أحب الديار لأنها اتسعت للحب كله: للمرأة، وللناس، وللأغنية، وللحكاية. عند قيس، المكان اختفى أمام الحب، وعند الحفري، المكان أصبح صورة أخرى للحب نفسه.
ويبقى السؤال مفتوحاً: هل نحب الأماكن لأننا عشنا فيها الحب؟ أم أن الحب هو الذي يمنحنا القدرة على أن نسكن في الأماكن إلى الأبد؟
*كاتب سوري.
كلمات البحث
تعليق / الرد من
إقرأ أيضًا
قراءة لـ: نهش الشياطين ق ق ج للكاتبة إلهام عيسى!! د. توفيق مدار
راشد القناص: حين يصبح التراث رسالة لا هواية!! عبد الكريم العفيدلي
عائشة بريكات: لا أكتب الحقيقة... أكتب كي لا أفقدها!! عبد الكريم العفيدلي
رؤية نقدية حول (ق ق ج) للكاتب السوداني عبد الباسط عبد الله!! ماجد القيسي
الاكثر شهرة
المرأة بين الهشاشة والتنميط في مجموعة " بائعة الورد للكاتبة لطيفة محمد حسيب القاضي
المرأة بين الهشاشة والتنميط في مجموعة " بائعة الورد للكاتبة لطيفة محمد حسيب القاضي قراءة نقدية...
في يوم الطبيب العالمي!! د. تمام كيلاني
في يوم الطبيب العالمي!! د. تمام كيلاني* في يوم الطبيب العالمي، لا نكتب كلماتٍ عابرة، ولا نكت...
"أحدهم يحاول أن يخبرنا شيئاً.. عن تقاطع الميتافيزيقي والرمزيّ مع الواقعي، سمية الإسماعيل
"أحدهم يحاول أن يخبرنا شيئاً.. عن تقاطع الميتافيزيقي والرمزيّ مع الواقعي، سمية الإسماعيل*...
شعبٌ لا ينسى الجميل… لأننا نحبّ الحياة!!..
شعبٌ لا ينسى الجميل… لأننا نحبّ الحياة!!.. جلال دشان* "سوريا بلدكم الثاني. قالوا: «من...