أنس شقفة..رجل المؤسسة وباني الحضور الإسلامي المؤسسي في النمسا..!! د. تمام كيلاني
أنس شقفة..رجل المؤسسة وباني الحضور الإسلامي المؤسسي في النمسا..!!
د. تمام كيلاني*
في مسار تشكّل الإسلام الأوروبي الحديث، لم يكن الحضور الإسلامي مجرد امتداد جغرافي لهجرات بشرية، بل كان مشروعًا طويلًا لإعادة بناء الهوية، وصياغة العلاقة بين الدين والدولة، وبين المسلم والمجتمع الذي يعيش فيه. هذا المشروع لم تصنعه النصوص وحدها، بل أسهمت فيه شخصيات عملت في الظل، واشتغلت على بناء المؤسسات أكثر مما اشتغلت على الأضواء.
وفي هذه السلسلة التي تتناول “وجوه صنعت الإسلام الأوروبي”، نقف عند تجربة الأستاذ أنس شقفة، بوصفه أحد أبرز الوجوه المرتبطة بمرحلة تطور العمل الإسلامي المؤسسي في النمسا، حيث تبلور نموذج خاص من العلاقة بين المسلمين والدولة يقوم على الاعتراف القانوني، والتنظيم المؤسسي، والحوار المجتمعي.
أولًا: النمسا والإسلام… نموذج الاعتراف المبكر
تُعد النمسا من أوائل الدول الأوروبية التي اعترفت بالإسلام ديانةً رسمية منذ قانون الإسلام لعام 1912 (Islamgesetz 1912)، وهو ما منح المسلمين فيها إطارًا قانونيًا مميزًا مقارنة بكثير من الدول الأوروبية الأخرى. وقد تطور هذا الإطار لاحقًا عبر تعديلات وتشريعات حديثة، من أبرزها قانون الإسلام لعام 2015، الذي أعاد تنظيم العلاقة بين الدولة والمؤسسات الإسلامية.
غير أن هذا الاعتراف لم يكن يعني اكتمال البناء المؤسسي، بل كان بداية لمسار طويل من التنظيم وإعادة صياغة العلاقة بين المسلمين والدولة، وتطوير المؤسسات الدينية والتعليمية التي تمثل الجاليات المسلمة المتنوعة.
ومع تنامي أعداد المسلمين وتنوع خلفياتهم الثقافية واللغوية، برزت الحاجة إلى قيادات دينية وإدارية قادرة على إدارة هذا التنوع، وتقديم خطاب ديني متوازن، وبناء جسور مع مؤسسات الدولة، خصوصًا في مجالات التعليم الديني وتكوين الأئمة وتنظيم الشأن الإسلامي ضمن إطار قانوني واضح.
ثانيًا: من العمل الفردي إلى العمل المؤسسي
في هذا السياق، برزت أهمية الانتقال من العمل الإسلامي الفردي إلى العمل المؤسسي المنظم، القادر على مخاطبة الدولة بلغة القانون، والمجتمع بلغة الشراكة، والجالية بلغة التنظيم.
ويرتبط اسم الأستاذ أنس شقفة بهذه المرحلة التي اتجه فيها العمل الإسلامي في النمسا نحو مزيد من الهيكلة والتنظيم، حيث أصبح التمثيل الإسلامي أكثر ارتباطًا بالمؤسسات، وأقل اعتمادًا على المبادرات الفردية.
إن جوهر هذا التحول لا يكمن في الأشخاص بقدر ما يكمن في الفكرة نفسها: فكرة أن الإسلام في أوروبا لا يمكن أن يستمر كوجود هامشي، بل يحتاج إلى بنية مؤسسية تحفظ استمراريته، وتنظم علاقته بالمجتمع والدولة.
ثالثًا: مؤتمر الأئمة وتطوير الخطاب الديني
من أبرز ملامح تطور العمل الإسلامي في أوروبا خلال العقود الأخيرة، الاهتمام بتأهيل الأئمة وتطوير خطابهم الديني بما يتناسب مع الواقع الأوروبي المتعدد الثقافات.
وفي هذا الإطار، جاءت مؤتمرات ولقاءات الأئمة، ومنها ما عُقد في مدينة غراتس، والتي هدفت إلى فتح نقاش حول دور الإمام في المجتمع الأوروبي، وكيفية الانتقال من خطاب تقليدي إلى خطاب قادر على التعامل مع أسئلة الهوية والاندماج والمواطنة وقضايا الشباب.
وقد عكست هذه التحولات إدراكًا متزايدًا بأن نجاح المسلمين في أوروبا مرتبط بقدرة خطابهم الديني على التفاعل مع الواقع لا الانفصال عنه.
رابعًا: التعليم الديني واللغة والهوية
يشكل التعليم الديني أحد أهم التحديات التي تواجه المسلمين في أوروبا، خاصة مع تنشئة الأجيال الجديدة في بيئة لغوية وثقافية مختلفة عن بيئة الأصول.
ومن هنا برزت أهمية المؤسسات التعليمية الإسلامية التي تسعى إلى تقديم برامج تربوية تحفظ الهوية الدينية، وتربط الجيل الجديد بمرجعيته العقدية، دون عزله عن مجتمعه الأوروبي.
إن هذا التوازن بين الهوية والانتماء يمثل أحد أعقد أسئلة الإسلام الأوروبي، لأنه يحدد شكل المسلم في المستقبل: هل هو منغلق على ذاته أم منفتح دون ذوبان؟
خامسًا: الأكاديمية الإسلامية في فيينا… صناعة الكفاءات الوطنية
من المحطات المهمة في مسيرة العمل الإسلامي المؤسسي في النمسا، تأسيس الأكاديمية الإسلامية في فيينا، التي أسهم في إنشائها الأستاذ أنس شقفة بالتعاون مع المرحوم الدكتور حسن موسى، انطلاقًا من رؤية استراتيجية تقوم على إعداد الكفاءات التربوية والدينية من داخل المجتمع النمساوي نفسه.
وقد جاءت الأكاديمية استجابة لحاجة متزايدة إلى مؤسسة متخصصة تتولى إعداد وتأهيل مدرسي التربية الإسلامية وفق معايير علمية وتربوية تراعي خصوصية المجتمع النمساوي، وتجمع بين التكوين الشرعي والمعرفة بالنظام التعليمي والقانوني للدولة.
وانطلقت فلسفة الأكاديمية من قناعة بأن تدريس الدين الإسلامي في المدارس النمساوية ينبغي أن يعتمد على كوادر تم إعدادها داخل النمسا، تعرف المجتمع ولغته وثقافته، وتدرك تحدياته، بما يضمن تقديم خطاب ديني متوازن ينسجم مع قيم المواطنة والعيش المشترك.
وقد أسهمت الأكاديمية في تخريج أجيال من مدرسي التربية الإسلامية الذين التحقوا بالمؤسسات التعليمية، وأسهموا في ترسيخ التعليم الديني المؤسسي، وتعزيز حضور الإسلام بوصفه جزءًا من المشهد التربوي والقانوني في النمسا.
سادسًا: فيينا والعمل الإسلامي المؤسسي
تُعد مدينة فيينا من أهم المراكز الإسلامية في أوروبا الوسطى، نظرًا لتنوع الجاليات المسلمة فيها وتعدد المؤسسات الدينية والتعليمية.
وفي هذا السياق، برز العمل الإسلامي المؤسسي بوصفه محاولة لتنظيم هذا التنوع، وبناء إطار مشترك يعزز حضور المسلمين داخل المجتمع النمساوي كجزء فاعل من نسيجه الاجتماعي.
ولا يُقاس نجاح هذا العمل فقط بحجم النشاط، بل بقدرته على خلق الثقة، وإدارة الاختلاف، وتقديم صورة مسؤولة عن الإسلام داخل مجتمع متعدد الثقافات.
سابعًا: المقبرة الإسلامية في فيينا… تجسيد الحضور الدائم
من أبرز التحولات التي تعكس استقرار الوجود الإسلامي في أوروبا، الانتقال من مرحلة الوجود المؤقت إلى مرحلة الحضور الدائم، ليس فقط عبر المساجد والمراكز، بل عبر البنى التحتية المرتبطة بحياة الإنسان بعد موته.
وفي هذا السياق، شكّل مشروع المقبرة الإسلامية في فيينا (Islamischer Friedhof) خطوة رمزية ومؤسسية مهمة، باعتباره تعبيرًا عن اعتراف المدينة بالتعدد الديني والثقافي، وعن حاجة المسلمين إلى فضاء جنائزي يراعي خصوصيتهم الدينية ضمن الإطار القانوني النمساوي.
وقد جاء هذا المشروع نتيجة حوار طويل بين المؤسسات الإسلامية وبلدية فيينا، ضمن رؤية تقوم على إدماج المسلمين في البنية المدنية للمدينة كجزء من نسيجها الاجتماعي.وقد قام الاستاذ المهندس عمر الراوي بدور ريادي في مشروع المقبره الاسلاميه وخاصة انه برلماني وعضو المجلس البلدي في فيينا .
ثامنًا: مؤسسة أنس شقفة (2010)… التعليم والحوار
في عام 2010 تأسست المؤسسة الخيرية الخاصة أنس شقفة (Gemeinnützige Privatstiftung Anas Schakfeh) انطلاقًا من مسؤولية تجاه الصالح العام.
وتُعنى المؤسسة في المقام الأول بـالتعليم وتطوير مؤسسات تعليم الكبار، إضافة إلى دعم المبادرات التي تعزز الكفاءة المهنية للمؤسسات التعليمية.
كما تهدف إلى تعزيز الحوار المفتوح والعمل على إزالة الصور النمطية والأحكام المسبقة بين مكونات المجتمع، بما يؤدي إلى بناء علاقات قائمة على الاحترام المتبادل والتفاهم.
ويعكس هذا التوجه رؤية تقوم على أن التعددية ليست مصدر تهديد، بل فرصة للتعاون وبناء مجتمع أكثر انسجامًا وتماسكًا.
خاتمة: من الأشخاص إلى المشروع
إن الحديث عن الأستاذ أنس شقفة لا يُقرأ بوصفه سيرة فردية، بل باعتباره قراءة في مرحلة من مراحل تشكّل الإسلام الأوروبي، حيث انتقل المسلمون من الوجود إلى التنظيم، ومن المبادرة الفردية إلى بناء المؤسسات.
فالأكاديمية الإسلامية في فيينا مثلت خطوة مهمة في إعداد الكفاءات التربوية من داخل المجتمع النمساوي، فيما جاءت مؤسسة أنس شقفة لتؤكد أن العمل الإسلامي المستدام لا يقوم على الأفراد، بل على مؤسسات تعليمية ووقفية قادرة على الاستمرار.
وهكذا تتضح ملامح تجربة الإسلام في النمسا بوصفها تجربة مؤسسية بامتياز، تقوم على القانون، والحوار، والتعليم، والشراكة المجتمعية، في مسار لا يزال مفتوحًا على التطور والتشكل.
*رئيس الجمعية الطبية الأوربية العربية/ فيينا.
تعليق / الرد من
إقرأ أيضًا
ندوة فكرية حوارية ( المسرح الحسيني حدث إحياء آخر)!!
التصوف كجسر إلى الإسلام في التجربة الأوروبية الحديثة..!! د. تمام كيلاني
باولو بالافيتشي.. او يحيى بالافيتشي الإسلام الأوروبي بين الهوية والحوار..!! د. تمام كيلاني
ذاكرة الأمكنة في تجربة عبد المجيد خلف السيرية!!
الاكثر شهرة
المرأة بين الهشاشة والتنميط في مجموعة " بائعة الورد للكاتبة لطيفة محمد حسيب القاضي
المرأة بين الهشاشة والتنميط في مجموعة " بائعة الورد للكاتبة لطيفة محمد حسيب القاضي قراءة نقدية...
في يوم الطبيب العالمي!! د. تمام كيلاني
في يوم الطبيب العالمي!! د. تمام كيلاني* في يوم الطبيب العالمي، لا نكتب كلماتٍ عابرة، ولا نكت...
"أحدهم يحاول أن يخبرنا شيئاً.. عن تقاطع الميتافيزيقي والرمزيّ مع الواقعي، سمية الإسماعيل
"أحدهم يحاول أن يخبرنا شيئاً.. عن تقاطع الميتافيزيقي والرمزيّ مع الواقعي، سمية الإسماعيل*...
الكاتبة سارة المطيري:أن المعرفة لا تُبنى من طريق واحد
الكاتبة سارة المطيري:أن المعرفة لا تُبنى من طريق واحدأجرى الحوار:لطيفة محمد حسيب القاضي في زمنٍ ت...