شرق غرب وجهاً لوجه.. في رواية "توتنغهام في علبة لشمانيا"!!
الكاتب قصي عسكر وغلاف الرواية
شرق غرب وجهاً لوجه.. في رواية "توتنغهام في علبة لشمانيا"!!
محمد رستم*
من العنونة نبدأ لأنها المعنى الدلالي المكثف والمفتاحي لكامل المنجز.
هذه العنونة التي أتت مشفرة متوسلة الإيحاء لفتح إمكانات مختلفة وقراءات متعددة لأنها غرائبية ومستفزة.
توتنغهام: مدينة في بريطانيا ولعلها هنا ترمز إلى الغرب الأوربي ونمط حياته وقيمه وعلبة اللشمانيا كناية عن العراق الذي ينتمي إليه نادر وأحضر منه طفيلي اللشمانيا وبالتالي قد تقصد العنونة الجمع بين الجهتين الشرق والغرب، ولعلها إشارة إلى مرحلة زمنية وقت عشق نادر جوستينا..
لذا نراه يقول في نهاية المروية:
- توتنغهام هي جوستينا عبد العال.... حميدة بللوز.
والمادة الحكائية في المنجز تهجس بشريحة اجتماعية خاصة (طلاب البعثة العلمية في أماكن دراستهم وتركز على نادر وعشقه جوستينا والحرب العراقية الإيرانية).
وموجز الحكاية أن نادر أوفد ببعثة إلى توتنغهام وكطلاب بعثة حكومية محظور عليهم العمل والزواج من أجنبيات وبالنسبة لنادر فالمحظور الأول انهار أمام الإعلان والبخشيش والثاني تداعى حين تعرّف على جوستينا.
فقد بدأ نادر عمله في أوقات عطلته وذلك في توصيل الطلبات إلى الزبائن (ديلفري) وأثناء توصيل الطلبات إلى شارع البغاء هناك تعرّف على جوستينا التي تعمل كمومس.
ونادر بالطبع نموذج للشرقي الذي تكبله الخطوط الحمر التي رسمت له بحسب تربيته المحافظة، لذا فهو لا يمكن أن يتخلص من عنكبوت الوصايا والقيم والعادات الشرقية. ولهذا فقد رفض أن يمارس اللذة المحرّمة ولمدة طويلة إلى أن منحته جوستينا قلبها وجسدها..
ففعلها نادر تحت تأثير العطش الجنسي في موروثاته الشرقية في البدء كان يخجل أن يدعو فتاة إلى الرقص وفي رأيه الجنس ممنوع (والخطوات إلى درب الحرام قصيرة).
وحين تعرّف على جوستينا كانت مغامرة أولى ومحاولة فهو لا يريد أن يخرج من بريطانيا قبل أن يواقع امرأة ليس للفراغ وحده بل للرغبة والنشوة. فهل يعقل أنه منذ أن وعى نفسه بالغاً لم يلامس نعومة الأجساد.
يقول: بعد عقدين من الجفاف والظمأ معي امرأة... نعم فحين تعرّف على جوستينا شرّع قلبه للعشق ومضى يرتّل مزامير ولهه كما فرشت جوستينا سجادة عشقها له. وعرف بعد ذلك أن الجنس ليس مجرد احتواء جسد أنثى بعملية ميكانيكية تخلو من المشاعر...
لذا فقد قرفت نفسه وفشل في الممارسة مع فتاة الطريق في سوهو عندما رآها تبصق على أصابعها كي ترطب مكاناً في جسدها.
لقد قدّم الكاتب شخصيّة نادر كنموذج للشاب الشرقي المقمّط بما تسمى قيماً شرقية مع أن شريكيه في السكن يملآن الشقة مع صديقتيهما حركة وحيوية. فريدرك الألماني لا يبدل صديقته... وثيمو الأمريكي كل يوم مع قاصر جديدة.
لكن نادر بعد أن جرفه عشق جوستينا (فهي طويلة شقراء تنضح بياضاً وفتنة تفوح من خديها رائحة عبقة وفي شفتيها ابتسامة عذراء وهي في الخامسة والعشرين من عمرها كما أنها طيبة غير مفتعلة من البغايا مازال مفتوناً بوجهها..)
فمضى نادر يتبع صهيل جسده في ارتشاف عطر جوستينا فقد تحرر من عنكبوت الوصايا وزعزع ما تكلس في أعماقه من تعصب أعمى ويقين مقدس. وتأكد له أن الرغبات والغرائز لا تتعامل مع الأرصدة المزيفة فلا خداع ولا مواربة، فالجنس أولاً وأخيراً هو وحده فعل الحياة المبشر بالولادة. لذا فقد آثر نادر أن يكسر التابوت المسيطر على فكره ويخترق المحرمات بكل حريّة.
ويسلط الكاتب الضوء على الحرية الشخصيّة للفرد في الغرب إذ يزور نادر وجوستينا أسرتها حيث تلتقي العائلة مرّة واحدة في العام بمناسبة ميلاد الأم (جوزي) ويقام الحفل بحضور أزواجها الثلاثة وكل زوج يلقي كلمة صغيرة تعبر عن تقديره لجوزي ومكانتها عنده مع أن الأزواج الثلاثة في حالة طلاق وأسرة جوستينا هذه تعلم أن ابنتهم تعمل مومساً وهذا الأمر لا يزعج إلاّ أخاها رالف لأنه كاثوليكي متشدد وأخبرته جوستينا أن البغاء وراء معظم الصفقات التجارية.
ولعلنا نرى مدى التفكك في أسرة لا تجتمع إلاّ مرّة واحدة في السنة...
صحيح أن جوستينا تعمل مومساً وهي ترى في هذا الفعل عملاً كأي عمل. لقد قررت أن تبني حياتها من عرق أنوثتها لكن شخصيتها كاملة غير منقوصة النبض فهي تعشق نادراً وتخلص له بل وتشارك معه في المظاهرات التي يقيمها العراقيون لتوقف إيران الحرب على العراق. ومع أن جوستينا مغمّسة بطمث الرذيلة (في رؤيتنا كشرقيين) إلاّ أن الكاتب لم يشعل أضواء الإدانة لعملها وتناول عالم المومسات بحيادية بعيداً عن سلم القيم والأخلاق الشرقية.
وعاد نادر إلى العراق عند انتهاء البعثة لأنه مجبر على العودة وإلاّ فسوف يبيع والده بيته الذي لا يملك سواه كي يدفع كفالة البعثة كما اشترطت الحكومة.
كان يحلم أن يشتري أدوات لمختبر واسع.. لكن التفصيلات حذفتها.
وكان قد وضع بعضاً منه (حيا منه) في علبة ووضعها في مختبر..
وبعد ثلاثة عقود عاد ليتأكد هل نسيته جوستينا.؟
هل عدته لحظة عابرة مرت..؟
ويتأكد من المختبر أن جوستينا قد تلقحت منه وأنجبت بنتاً أسمتها نادية... ففرح فرحاً شديداً.
وهذه حالة من التأكيد على القيم في الغرب حيث الصدق والإخلاص.
ولعل الهدف الإشاري الأساس في الرواية هو المقارنة الخفية ومن حيث الأفعال بين الشرق (العراق) والغرب (توتنغهام).
الشرق المهمش الضائع في سراديب الحروب الفارغة والقيم الاجتماعية والأخلاقية المعلبة وظلام الجهل والتخلف والكبت السياسي والقهر الاجتماعي والحاجة والركود الفكري والغرب هذا العالم الذي لا يعبأ بالخرافات ويسير بسرعة الضوء نحو الحضارة والحرية والتطور والاكتشافات العلمية الهائلة والمدهشة بما ينعكس على الرفاه والعيش الرغيد. لذا فقد بدا نادر في حالة نوسان دائم بين واقعين متناقضين، واقع العراق حيث الحرب والموت والكبت والقمع السياسي. وعالم الغرب حيث الحرية والأمان والراحة والحياة الهانئة. ومع أنه في توتنغهام إلاّ أنه واقع تحت تأثير الكابوس السياسي ممثلاً بالرفيق المسؤول عن البعثة.
لذا فالمروية تأخذ مصيرها الدرامي من عمق الصراع الذي يجتاح أعماق نادر من خلال النوسان بين عالمين مختلفين. الشرق (العراق) بما فيه من قيم بالية وفوضى وحروب وكبت سياسي وحاجة وفقر والغرب (توتنغهام) بما فيه من تطور ونظام وعلوم وحياة وحريّة واكتفاء معيشي. هذا وقد جعل الكاتب من شخصيّة حميدة نموذجاً لهذا التناقض فوالدها من المجاهدين الجزائريين أصبح سفيراً لبلاده بمعنى أنها من أسرة محافظة هي تخلو بعبد العال (تكنك سيكس) كل شيء مباح عدا البكارة. لكنها تكره جميلة بوحيرد لأنها تزوجت من محاميها النصراني واستنكرت أن يعشق نادر نصرانية هي تعيش في بلاد النصارى وتدرس عندهم وتكرههم. يقول نادر لدي إحساس أن حميدة بعد أن ضرب الإرهاب الجزائر وظهرت حالات قطع الرؤوس قد تكون انضمت إلى المتطرفين أو هربت مع عبد العال إلى توتنغهام. وكنوع من المزاح قال إن من يدخل ديننا يفقد قضيبه وإذا فكر أن يخرج يفقد رأسه إنه الفكر السلفي المتشدد.
إن جغرافية الرواية تقتطع من خارطة العالم بلدين (العراق ـ بريطانيا) وتضعهما في كفتي ميزان المقارنة وقدمت حوامل الرواية أكتافها جسوراً لتمر من فوقها مشروعية المقارنة القائمة على الملاحظة والاستنتاج دون التصريح. فعلى خطوط التماس بين هذين العالمين نصب الكاتب أوتاد خيمته الروائية فبدا العراق مائلاً كبرج بيزا لا يمكن إصلاحه (مع أن العراق كان الرحم الذي أنجب الحضارة والمهد الذي ترعرعت فيه).
فالحرب العراقية الإيرانية هي حرب البسوس بهيئة أخرى. هذا الحرب العبثية التي جعلت العراق مكشوف الظهر غارقاً في التراثيات السائبة مطعوناً بالركود والخنوع محاصراً من الرأس حتى أخمص القدمين بالكبت السياسي والحاجة والفقر وفقدان الحرية. ولعل هذه هي مقولة المنجز وهدفه الإشاري التي أكدت عليها شواغل الأديب. إنها الإدانة الصارخة لأفاعي الحرب، هذه الحرب التي رمّدت الحياة في العراق وجاءت أكرم من قدور الطائي في تقديم وجبات الفجيعة والموت والتنديد بالكبت السياسي المتمثل في فرض التنظيم الحزبي (البعث) على طلاب البعثات وحضور الرفيق المسؤول عن البعثة. وفرض الإرادة السياسية على الطلاب (حضور الاجتماعات والمظاهرات المنددة بالحرب والمشاركة في الحرب خلال عطلة الصيف). (كل طالب بعثة يذهب في العطلة الصيفية يمكن أن يقضي شهراً في الحرب ويعود يتابع دراسته... نحن لا نجبر رفيقاً.)
إنه إجبار خفي مغلف برد الجميل للحكومة التي أرسلت البعثة. ونتيجة الهيمنة لابد أن يصبح الطالب بعثياً. (فنادر كان يفخر أنه احتل المرتبة الأولى في الكلية ومع ذلك لابد أن ينتمي للحزب وإلاّ يفقد امتيازه بعثة يستحقها وراتب 280 جنيهاً. لا يحب نادر أن يهرب من واقع مفروض عليه. وقّع ورقة الحزب فكان بعثياً).
وحول رؤية الطلبة للحرب. أنجم قال: (العراق اجتاح إيران وعقّب والله المسلمون مجانين). ونادر رافض للحرب. (الجنود في أماكنهم على الحدود يتقاتلون وحين يتعبون تنتهي الحرب).
بل نادر يرى أن الحرب يجب أن تكون ضد هذه المخلوقات الصغيرة (اللشمانيا) التي لو أفلتت لفتكت بالعالم كله. كائنات مخاتلة تتغير تتلون كل يوم. (ظل يراقب الفيروسات حذر كما لو كان يجلس في خندق يتابع جنوداً أعداء يتسللون لقتاله أو قتل الآخرين).
نادر حريص على طفيلي اللشمانيا المشوّه للوجوه على الرغم من جرائم خطف الطائرات والعصابات ولعل أهم الهدايا الحضارية التي قدمتها الحرب أن دخل العراق زمن داعش التفجيرات وقطع الرؤوس وأن الموت ركب السكاكين والفؤوس.
أما نادر فقد ترك الانفجارات خلفه وجاء يعايش الفطريات والفيروسات لأنه مختلف يرى حربه مع الفطريات والفيروسات وليس مع أطراف أخرى (كثيراً ما يرتبط ذكر الحرب كنقيض لتجاربه على اللشمانيا) (تحرر اليوم من الذبابة وفطر اللشمانيا وأصبح طليقاً من حرب ينتظرها وبقيت أخرى تنتظره) طبعاً الأخرى هي حرب العراق.
لذلك فقد قرر أن يترك بقايا منه (حيا من) في أي مختبر هنا فالحالة أفضل...
شيء ما يصبح امتداداً له... نقصد مخبر الخصوبة وترك بعضاً من سائله لأنه في العراق لا يرى إلاّ رؤوساً تتطاير وأشلاء لبني آدم تتبعثر وهناك من يكرع دماً من صدر جريح ينزف. لذلك وضع سائله في قنينة وأودعها المختبر... فجوستينا هي الثابت الوحيد وسط عالم متغيّر مثل رمال متحركة دائمة الهيجان. فقد يقتل في الحرب وهو مطمئن إلى أنه مازال يعيش في مكان آخر. قال لها إذا رغبت أن تصبحي أماً فستجدين بعضاً مني مجمداً.
تذكري قبل أربع سنوات لتعيده إلى الحياة سواء أكان حياً أم ميتاً... إنه يغامر على الحياة والموت معاً. وحين عاد بعد ثلاثة عقود أجاب الموظفة في مكاتب الجامعة يا سيدتي أعرف أن من حقك أن تشكي لاسيما أني قادم من مكان يعج بالقتل وقطع الرؤوس...
جوستينا كانت صديقتي وهي حامل مني ورزقت ببنتاً وحصلت على البكالوريوس والدبلوم.
والكاتب يرى أن الأماكن حين تكون مسرحاً للذكريات تغدو كائناً حياً لذلك فإن توتنغهام هي حوستينا عبد العال. حميدة بللوز بل كل الأصدقاء الذين عرفهم في البعثة.
هذا وقدم الكاتب صورة عن الفساد في العراق. جوستينا من ممارسة البغاء بضع سنين أصبحت تملك سيارة وتفكر بشراء بيت.. يضحك إذ يذكر أن أحد الأساتذة يعمل سائق أجرة بعد الدوام وأحد الطلاب جاء بخمس كيلوات باذنجان وكيلو لحم مقابل أربع علامات... لن أخسر شيئاً نحن نعيش ظروفاً شاذة يجد نفسه يقبل شأنه شأن الأساتذة المحاصرين راتب أستاذ دكتوراه جيبه تحفظ آلاف الدنانير التي لا تعادل دولاراً.
ونلحظ كيف أسهب الكاتب في وصف العملية الجنسية في ص77-78 حتى بدا الوصف متمادي الأرداف حتى لكأنه اقترب من أن يصبح جزرة غواية لشد القارئ.
وظل السرد حذراً من الوقوع في الإسهاب في التفاصيل الجنسية التي تجعل العمل رخيصاً مبتذلاً لأن الإباحية تخدش الحياء.
وأنهى الأديب الدكتور قصي روايته بخاتمة مفتوحة على الاحتمالات. هذا ويتكون متن الرواية من ثلاثة عشر قسماً أفاد الكاتب منها في الانتقال بالزمن السردي.
ويصنّف المنجز على أنه مما يسمّى الواقعية الاجتماعية ويتمدد على سرير رواية الحرب التي تتنفّس دخان الحرائق وويلات الدّمار ويجنح نحو الواقعية السياسية في بعض جوانبه.
لقد كسر الأديب قصي عسكر تراتبية الزمن السردي بعصا الذكريات فيما يسمى بتقنية الاسترجاع (الخطف خلفاً) إذ تبدأ الرواية من حيث الخاتمة معتمدةً الخطف خلفاً والمروية تُحكى من قِبَل الراوي وكأنها ذكريات من الزمن الماضي.
ولأن اللغة هي الحامل الإبداعي للعمل فلابد أن تكون أنيقة، لذلك فقد اعتمد الكاتب لغةً سرديّةً سلسةً جميلة تنأى عن الزخرفة اللغوية المجلجلة.
وأكثر الكاتب من ذكر أسماء الأحياء والأماكن والشوارع ليؤكد واقعية روايته.
كما استثمر في الأسماء فأطلق على بطله اسم نادر فهو مختلف عن زملائه من حيث عقدة الجنس الحرام وهو نادرٌ إذا ما قِيس بزملائه من حيث التفوق عليهم. كذلك اسم والدة جوستينا (جوزي) فقد يكون اختصاراً لاسم جوزفين وفي العامية قد تدلّ على الزوج وقد تزوجت (جوزي) بثلاثة رجال.
وهكذا تناولت الرواية مثلث برمودا الشرقي (الجنس / السياسة/ الدين). بعقليةٍ حضارية وعمقٍ ثقافي. فحين يبتعد الأدب عن القضايا المصيرية والهامة يغدو حافياً بل هيكلاً عظمياً لجثةٍ محنّطة.
*كاتب سوري/ حمص.
تعليق / الرد من
إقرأ أيضًا
معرض دمشق الدولي للكتاب ٢٠٢٦: عودة ثقافية جديدة!!
الاكثر شهرة
إفطار جائع خيرٌ من إفطارٍ جامع!!
إفطار جائع خيرٌ من إفطارٍ جامع!! جلال دشان* لسنا في مقام معاداة أحد، ولا في مقام تصنيف النا...