السرقة في زمن الكذب… سرقة القيم والأسماء الإنسانية
د. تمام كيلاني
السرقة في زمن الكذب… سرقة القيم والأسماء الإنسانية
د. تمام كيلاني
في زمن أصبح فيه الكذب لباسًا رسميًا، والاحتيال عنوانًا للبراعة، صار للسرقة وجوه عديدة: ليست سرقة مال فقط، بل سرقة الجهد، والسمعة، وحتى الأسماء التي تحمل تاريخًا من العطاء.
وهنا، في عالم الإنسانية المهدور، نكتشف أن البعض اكتشفوا طريقًا مختصرًا للوصول إلى الشهرة والمال: سرقة أعمال الآخرين، وكأن العالم أصبح مسرحًا تلتقي فيه الأكاذيب وتصافح بعضها البعض.
خاصة في سوريا، حيث الحرب دمرت كل شيء، وأصبح إعادة بناء المشافي والمستوصفات رمزًا للأمل، ظهرت حالات مروعة: جمعيات وأشخاص لم يرفعوا حجرًا واحدًا لإعادة بناء مكان واحد، لكنهم سرقوا أسماء جمعيات محترمة عمرها أكثر من عشرين عامًا، ليظهروا وكأنهم هم من بذلوا الدماء والجهد والليالي الطوال.
إنها سرقة من نوع جديد: سرقة التاريخ، سرقة الجهد البشري، سرقة الثقة، سرقة الحق.
والأدهى، أن بعضهم لا يكتفي بذلك… بل يلبس هذا اللص ثوب الإنسانية، ويقف على منابر التواصل الاجتماعي كأنما هو رمز التضحية والعطاء!
يا لها من مهزلة: أن يبيع الكاذب نفسه كصاحب فضل، وأن يتباهى بما لم يفعله، وأن يُكذّب الواقع باسم الإنسانية نفسها.
في هذا العصر، يبدو أن السخرية أصبحت القانون الوحيد:
الطيبون يعملون بلا صخب، بلا إعلان، بلا مكافأة.
المحتالون يسرقون الاسم والجهد ويكتبون شعارات على الجدران المهدمة، ثم يرفعون الأيدي بالتصفيق لنفسهم.
في عالم كهذا، يتحسر المرء على تقدم البشرية، على كل ذلك العلم الذي لا ينير الضمائر، على كل التكنولوجيا التي تخدم الطغاة، وعلى كل تلك الجمعيات التي تجلس في الظل تُعيد بناء العالم بصمت، بينما آخرون يسرقون الضوء ويبيعونه للناس على أنه ملكهم.
وكأن الإنسان بلا ضمير ودين، يصبح آلة فارغة: اسم على ورق، وجه على شاشة، شعار على لوحة، كل شيء مزيف إلا الفضائح.
فكيف لرعاة الزيف أن يرفعوا أعلام الإنسانية وهم يسرقون جهود الآخرين؟
أضحك وأبكي في آن واحد… أضحك من عبثية المشهد، وأبكي على الإنسانية التي ضاعت بين صفوف المحتالين، بين شعارات كاذبة، وبين أيديعتدون على التاريخ والجهد.
فالجمعيات والأشخاص الذين سرقوا الاسم والمجهود لا يفهمون أن الإنسان بلا ضمير، بلا مسؤولية، بلا تقدير للآخر، هو مجرد صدى للخراب، مجرد ظل على جدار مظلم، يتباهى بما ليس له، ويستغل معاناة البشر ليزيد خزائنه وخداعه.
هكذا أصبح العالم مسرحًا للسطو على البراءة، والسطو على الإنسانية نفسها.
ومهما حاول اللصوص أن يخفوا آثارهم، أو يزينوا وجوههم بالخير المزعوم، تظل الحقيقة واضحة: السرقة قذرة، الكذب فاحش، والادعاء مجرم، والصمت عن هذا الفساد مشارك في الجريمة.
إنها ليست مجرد سرقة اسم…
إنها سرقة روح، سرقة ضمير، سرقة إنسانية.
وفي النهاية، يبقى السؤال: كم من الوقت ستستمر هذه المهزلة؟
وكم من دموع وأعمال حقيقية ستُسرق قبل أن يرفع الضمير صوته؟
في زمنٍ يغيب فيه الإله والدين، تصبح الإنسانية بلا معنى،
والقيم مجرد أوراق تُسحق بين أقدام الطامعين،
والتقدم العلمي والثقافي مجرد غطاء لما هو أسوأ من التخلف.
لكن يبقى بصيص الأمل: أن الضمير الحقيقي لا يُشترى، وأن الحقيقة مهما تأخرت، ستظهر، وسيعرف كل لص مكانه بين التاريخ والسماء.
*رئيس اتحاد الاطباء والصيادلة العرب في النمسا.
تعليق / الرد من
إقرأ أيضًا
علي جعفر العلاق... جائزة النيل تتوج شاعرًا جعل من القصيدة وطنًا للإنسان والذاكرة!
الملكة المثيرة للجدل… بين بناء الإمبراطورية ونقض العهود!
الموريسكيون في إسبانيا دراسة تاريخية في الذاكرة والهوية والتحولات المعاصرة..!! د. تمام كيلاني
أوروبا والمسلمون… حين يصبح سؤال المستقبل أكبر من سؤال الاندماج..!! د. تمام كيلاني
من النشر إلى التأثير.. منتدى دولي في فيينا يعيد تعريف البحث العلمي!
ليس كل سوري خبرًا سيئًا… عندما تصبح الصورة الناقصة خطرًا على المجتمع..!! د. تمام كيلاني
المكتب الثقافي المصري في فيينا.. دبلوماسية ثقافية ترسّخ الحضور المصري في أوروبا!!
Persönlichkeiten, die den Weg der islamischen Präsenz in Europa geprägt haben Omar Al-Rawi … Ein Lebensweg im Zeichen von Teilhabe, Dialog und gesellschaftlicher Verantwortung
فيينا… مدينة جودة الحياة تستقبل المؤتمر الثالث والثلاثين لاتحاد الأطباء والصيادلة العرب في النمسا..!! د. تمام كيلاني
الاكثر شهرة
المرأة بين الهشاشة والتنميط في مجموعة " بائعة الورد للكاتبة لطيفة محمد حسيب القاضي
المرأة بين الهشاشة والتنميط في مجموعة " بائعة الورد للكاتبة لطيفة محمد حسيب القاضي قراءة نقدية...
في يوم الطبيب العالمي!! د. تمام كيلاني
في يوم الطبيب العالمي!! د. تمام كيلاني* في يوم الطبيب العالمي، لا نكتب كلماتٍ عابرة، ولا نكت...
الكاتبة سارة المطيري:أن المعرفة لا تُبنى من طريق واحد
الكاتبة سارة المطيري:أن المعرفة لا تُبنى من طريق واحدأجرى الحوار:لطيفة محمد حسيب القاضي في زمنٍ ت...
"أحدهم يحاول أن يخبرنا شيئاً.. عن تقاطع الميتافيزيقي والرمزيّ مع الواقعي، سمية الإسماعيل
"أحدهم يحاول أن يخبرنا شيئاً.. عن تقاطع الميتافيزيقي والرمزيّ مع الواقعي، سمية الإسماعيل*...