صَفَعاتٌ حانِيَةٌ..!! شفيق سمسية

صَفَعاتٌ حانِيَةٌ..!! شفيق سمسية

صَفَعاتٌ حانِيَةٌ..!!

 

شفيق سمسية*

 

 

 

 

اسْتُدْعِيتُ إلى مَكْتَبِ الوَزيرِ، وَبَعْدَ مُكُوثٍ طَويلٍ في بَهْوِ الوِزارَةِ سُمِحَ لي بِالدُّخولِ، وَما إِنْ فَتَحْتُ البابَ حَتّى اسْتَقْبَلَنِي الوَزيرُ بِصَفْعَةٍ تَرَنَّحْتُ مِنْ شِدَّتِها وَوَقَعْتُ أَرْضًا، وَالدَّمُ يَنْزِفُ مِنْ فَمي. زَحَفْتُ بِبُطْءٍ وَعانَقْتُ حِذاءَهُ وَقَبَّلْتُهُ. شَدَّ قَدَمَهُ مِنْ بَيْنِ يَدَيَّ وَكَأَنَّهُ يَسْتَلُّها مِنْ كُتْلَةِ أَوْساخٍ هَرِمَةٍ، لاحَقْتُهُ بِعَيْنَيَّ المُتَهَدِّلَتَيْنِ وَبِرَقَبَةٍ مُتَشَنِّجَةٍ إِلى أَنِ اسْتَوى عَلى مَكْتَبِهِ وَامْتَشَقَ قَلَمَهُ وَفَرَّغَ باقي غَضَبِهِ في كِتابَةِ قَرارِ طَرْدي مِنْ إِدارَةِ الشَّرِكَةِ.

كُنْتُ أَقودُ شَرِكَةً تابِعَةً لِلْقِطاعِ العامِّ؛ بِيَديَ الأَمْرُ وَالنَّهْيُ كَمَلِكٍ تُوِّجَ ذي سُلْطانٍ عَظيمٍ، وَأَوَّلُ ما أَسْتَفْتِحُ بِهِ يَوْمي عِنْدَما أَصِلُ إِلى مَمْلَكَتي صَباحًا هُوَ مُتابَعَةُ شاشاتِ المُراقَبَةِ بِشَراهَةٍ كَقِطٍّ جائِعٍ يَبْحَثُ عَنْ فَريسَتِهِ. أَخْتارُ مِنْ بَيْنِ مُوَظَّفِيَّ الضَّحِيَّةَ الأُولى، آمُرُ مُديرَ مَكْتَبي بِالاتِّصالِ بِهِ، وَأُخْرِجُ مِنْ أَحَدِ الرُّفوفِ مِلَفَّهُ وَأَنْكُشُ خَطَأً ارْتَكَبَهُ وَأَنْتَظِرُ وُصولَهُ، وَأُتابِعُ بِنَشْوَةٍ عَلَى الشّاشَةِ نَظَراتِهِ الزّائِغَةَ وَمِشْيَتَهُ المُتَهالِكَةَ.

أَبْدَأُ بِإِهانَتِهِ فَوْرَ دُخولِهِ: ماذا فَعَلْتَ؟ وَكَيْفَ فَعَلْتَ؟ وَكَيْفَ تَجْرُؤُ عَلى ذَلِكَ؟ وَعِنْدَما يوحي وَجْهُهُ بِالاسْتِسْلامِ تَغْلي في رَأْسي نافورَةٌ مِنَ المُتْعَةِ ثُمَّ أَصْفَعُهُ بِقُوَّةٍ... أَنْظُرُ إِلَيْهِ مِنْ عَلٍ، ثُمَّ أَتَوَدَّدُ إِلَيْهِ بِابْتِسامَةٍ صَفْراءَ وَأُخْبِرُهُ أَنَّ ما حَصَلَ يَصُبُّ في مَصْلَحَتِهِ.

دَعْني أُخْبِرْكَ ما حَدَثَ مَعي؛ إِحْدى المَرّاتِ أَرادَ شابٌّ أَنْ يَتَوَظَّفَ في شَرِكَتي، دَخَلَ مَكْتَبَ السِّكْرِتارِيَّةِ وَصارَ يَتَحَدَّثُ مَعَ مُديرِ مَكْتَبي وَكُنْتُ أَسْتَمِعُ كَعادَتي إِلى المُحادَثَةِ عَبْرَ جِهازِ التَّنَصُّتِ، كانَ يَقولُ لِلشّابِّ: مُديري شَخْصٌ مُرْعِبٌ وَمُخيفٌ، وَمَعَ ذَلِكَ أُحِبُّهُ جِدًّا وَلا أَتَخَيَّلُ حَياتي بِدونِهِ! أُثْلِجَ صَدْري هَذا الكَلامُ، هُوَ مِنَ القِلَّةِ القَليلَةِ الَّذينَ فَهِموا قَصْدي وَبَرَّروا قَسْوَتي.

آخٍ آخٍ.. يا صاحِبي، ماذا أُخْبِرُكَ عَنِ الحُبِّ؟

أَتَعْلَمُ أَنَّني لَمْ أَذُقْ طَعْمَ الحُبِّ الحَقيقيِّ إِلّا مِنْ أُمِّي؟ صَحيحٌ أَنَّني لَمْ أَسْمَعْ وَلا مَرَّةً واحِدَةً مِنْها كَلِمَةَ أُحِبُّكَ، لَكِنَّها كانَتْ تَقولُ ذَلِكَ بِأَفْعالِها. عِنْدَما كُنْتُ صَغيرًا كُنْتُ أُبَلِّلُ فِراشي، لا أَعْلَمُ حَقًّا لِمَ اسْتَمْرَرْتُ بِالتَّبَوُّلِ اللَّيْليِّ لِلصَّفِّ التّاسِعِ؟! عَلى كُلِّ حالٍ، كانَتْ تَصْفَعُني بِقُوَّةٍ وَتُهينُني، فِعْلًا أَنا أَسْتَحِقُّ ما تَفْعَلُهُ بي فَلَوْلاها لَما كَفَفْتُ عَنِ التَّبَوُّلِ، أَرَأَيْتَ؟ تَعْرِفُ مَصْلَحَتي وَتُحِبُّني!

وَلَنْ أَنْسى ذَلِكَ اليَوْمَ الَّذي أَتَيْتُ فيهِ بِجَلائِي المَدْرَسيِّ المُمتَلِئِ بِالخُطوطِ الحَمْراءِ، وَكانَتْ صَفْعَةٌ أُخْرى أَلْصَقَتْني بِالحائِطِ وَنَزَفَ الدَّمُ مِنْ فَمي، آهِ يا أُمِّي كَمْ أُحِبُّكِ فَلَوْلاكِ لَمْ أُكْمِلْ دِراستي وَأُحَقِّقْ هَذا النَّجاحَ.

 

 

 * كاتب سوري.

 

 

 


تعليق / الرد من

إقرأ أيضًا

بوابة دمشق

باولو بالافيتشي.. او يحيى بالافيتشي الإسلام الأوروبي بين الهوية والحوار..!! د. تمام كيلاني

باولو بالافيتشي.. او يحيى بالافيتشي الإسلام الأوروبي بين الهوية والحوار..!! د. تمام كيلاني
بوابة دمشق

ذاكرة الأمكنة في تجربة عبد المجيد خلف السيرية!!

ذاكرة الأمكنة في تجربة عبد المجيد خلف السيرية!!
بوابة دمشق

الوحش تحت السرير..!! عدنان لفته السماوي

الوحش تحت السرير..!! عدنان لفته السماوي
بوابة دمشق

جمال النصوص الشفاهية في الادب السوداني ..!! أنس بابكر محمد

جمال النصوص الشفاهية في الادب السوداني ..!! أنس بابكر محمد
بوابة دمشق

إيفان أغولي (عبد الهادي)… Ivan Aguéli الباحث السويدي الذي وجد الإسلام في قلب التصوف..!! د. تمام كيلاني

إيفان أغولي (عبد الهادي)… Ivan Aguéli الباحث السويدي الذي وجد الإسلام في قلب التصوف..!! د. تمام كيلاني
بوابة دمشق

فريتيوف شوان.. الفيلسوف السويسري الذي رأى في الإسلام حكمة خالدة للإنسانية..!! د تمام كيلاني

فريتيوف شوان.. الفيلسوف السويسري الذي رأى في الإسلام حكمة خالدة للإنسانية..!! د تمام كيلاني
بوابة دمشق

ليس كل ما نملكه يُهدى… فبعض الأشياء اسم وطن..!! د. تمام كيلاني

ليس كل ما نملكه يُهدى… فبعض الأشياء اسم وطن..!! د. تمام كيلاني


الاكثر شهرة
المرأة بين الهشاشة والتنميط في مجموعة " بائعة الورد للكاتبة لطيفة محمد حسيب القاضي

  المرأة بين الهشاشة والتنميط  في مجموعة " بائعة الورد للكاتبة لطيفة محمد حسيب القاضي قراءة نقدية...

في يوم الطبيب العالمي!! د. تمام كيلاني

في يوم الطبيب العالمي!!   د. تمام كيلاني*   في يوم الطبيب العالمي، لا نكتب كلماتٍ عابرة، ولا نكت...

"أحدهم يحاول أن يخبرنا شيئاً.. عن تقاطع الميتافيزيقي والرمزيّ مع الواقعي، سمية الإسماعيل

    "أحدهم يحاول أن يخبرنا شيئاً.. عن تقاطع الميتافيزيقي والرمزيّ مع الواقعي،     سمية الإسماعيل*...

شعبٌ لا ينسى الجميل… لأننا نحبّ الحياة!!..

    شعبٌ لا ينسى الجميل… لأننا نحبّ الحياة!!..   جلال دشان*   "سوريا بلدكم الثاني. قالوا: «من...

تابعونا


جارٍ التحميل...