و"يبتسم المخيم".. في وجه القهر والحزن والحرمان!

و

و"يبتسم المخيم".. في وجه القهر والحزن والحرمان!

 

عمر محمد جمعة*

بكثيرٍ من الانحياز إلى الواقعية التسجيلية، والانتصار لإنسان الواقع المثخن بالقهر والخيبة والحرمان وفقدان الأمل، يبني القاص حسان علي نصوص مجموعته "عندما يبتسم المخيم"، والتي تتركز في أغلبها الأعمّ حول استدعاء حكايات نراها ونعيشها في تفاصيلنا اليومية، بعيداً عن أية مواربة أو ترميز، يسعى الكاتب من خلالها إلى توصيف ما يعتمل في روح الإنسان الفلسطيني وما يواجهه من وجع أزلي وألم مستبد، وإصراره على مقاومة العتمة التي ترخي بظلمها وظلامها على تلك القلوب التي تشتهي وطناً وتتوق إلى حياة لا وجع فيها ولا ألم.

ولئن احتلّ المخيم بأماكنه، وحكاياته، وشخصياته وأحداثه ووقائعه مختلفة التاريخ، صفحات القصص الـخمس عشرة، فإن حسان علي ينزاح بوعي العارف إلى الشخصيات دون أي مكوّن آخر من مكونات القصة القصيرة.

وكما نعلم فإن القصة القصيرة نوع أدبي عبارة عن سرد حكائي نثري أقصر من الرواية، تهدف إلى تقديم حدث وحيد غالباً ضمن مدة زمنية قصيرة ومكان محدود غالباً، لتعبّر عن موقف أو جانب من جوانب الحياة، ولا بدّ لسرد الحدث في القصة القصيرة من أن يكون متحداً ومنسجماً دون تشتيت، وغالباً ما تكون وحيدة الشخصية أو عدة شخصيات متقاربة يجمعها مكان واحد وزمان واحد على خلفية الحدث والوضع المراد الحديث عنه.

لقد ركز الكاتب في "عندما يبتسم المخيم" على رسم ملامح شخصياته، فبرع في بعضها وخذله التعبير في مواضع مختلفة، حيث بدت هذه الشخصيات مشتتة متشظية جرياً وراء تشظي وتشتت بعض الأحداث التي عرض لها في قصصه.

ففي قصة "الباحث عن وطن" نقف أمام ذلك الشاب الذي ترتسم صورة الوطن في عينيه، ويردّد بصمت اسم فلسطين، ولعلّ هذه الكلمة بالذات هي ضالته التي يبحث عنها "الوطن أخضر وجميل، الوطن كالأم نبع عطاء لا ينضب، يتابع سيره وسط حالة من الضياع والهيام" ص5.

وهنا يتقن الكاتب وصف حالة القهر التي يعيشها الفلسطيني وهو يرى الجنود الصهاينة يتحلقون حوله كقبيلة هندية تمارس كرنفال رقصة النار، يبولون على التراب الذي انحنى عليه ساجداً يقبله ويلثمه وقد اختلطت ذراته بدموعه ص11.   

وفي "رسالة إلى هدى" ثمة أب نازف وأم وطفلتها وبضع أشياء مبعثرة ص19. لتتطاول حالة القهر في قصة "أمينة" ابنة المعتقل التي يعتصرها الألم فتقول: "ما زلت أتذكر جيداً أيام طفولتي المريرة، حيث قاسيت وعانيت مرارة الفقد والحرمان، أتذكر تماماً تلك الأحداث التي مازالت ملتصقة بذاكرتي حين كان يصطف أبناء جيران الحيّ ممن كانوا بمثل عمري، حيث كان كلّ واحد منهم ينتظر عودة والده من العمل" ص22.

أما في "صرخة أم" فنعيش لوعة الأم المفجوعة بابنها الرضيع (الشهيد علي الدوابشة): "كانت دموعها تختلط بأصوات الوجع والأنين ونحيب الآلام المرير.. كان كل شيء حولها ممزوجاً برائحة الموت الكريه العفن والدمار وألسنة اللهب، حيث اختلط كل شيء: اللحم الطفولي بالأثاث المحترق، واستحالت الأشياء من حوله إلى رماد" ص27.  

وفي قصة "من خارج النص" يتوغل الكاتب أكثر في روح شخصياته القلقة، فيقول: "ها أنتم وكما يبدو لكم ترونني أو يخيّل لكم أنني إنسان هائم على وجهي، أبحث هنا وهناك عن وجوه تشبهني وربما عن وجوه بريئة، عن أحبّة ما عدنا نراهم بيننا، عن أصدقاء عن الأحياء وعن الشهداء.. لاشيء وجدت هكذا حدثته روحه" ص35. 

ويقدّم لنا الكاتب في قصة "حديث المخيم" صورة الأسير الفلسطيني، فيقول: "وحده الأسير يقبع في زنزانته وقد ضجرت من يديه القيود، وملّت من طول الانتظار وتألمت لصمته الجدران المهترئة" ص47. و"مساء تراه يفزع من نومه على قلّته تتراءى أمامه صور التعذيب التي تعرّض لها مثل كابوس" ص49.

ولا يكاد يفرح ذلك الموظف المسكين في قصة "المكافأة" بقبض راتبه ومبلغ مكافأة حتى تتداعى الوقائع التي ترميه مرة أخرى في غيابة القهر، فيقول: "وفيما كان يتأمل مبلغ المكافأة وإذا بصوت زوجته يأتيه صارخاً لا تنسَ ما أوصيتك به، الأولاد ينتظرون أن تأتيهم بالأغراض، إذاً هي زوجته بصوتها الجهوري التي اعتادت أن تنام بملابس الطبخ حيث رائحة البصل تفوح منها" ص72.

على أن اللافت في قصص حسان علي تفاوتها الملحوظ من حيث الحكاية والأحداث وحضور الشخصيات والعنونة، ففي حين نلمس أسلوباً متقناً فنياً في "الباحث عن وطن" و"أمينة" وحديث المخيم", و"وقفة الألم والأمل"، و"الوصية" و"لعبة الأقدار"، تظهر سطحية بعض القصص الأخرى التي بدت غير مكتملة وتفتقر لمقومات القصة القصيرة المعرّفة آنفاً كما في "أغنية" التي جاءت على نسق سردي واحد وكانت منولوجاً طويلاً، وكذا الأمر في "كلمات إليك"، و"عرس الدم" الحكاية غير المكتملة التي وقفت فقط عند لحظات استقبال جثامين الشهداء، والخطاب الإنشائي الذي أرهق بعض مفاصله السجع غير الموظف في "اليوم الحزين"، و"لقاء" التي كانت تصويراً واقعياً ومشاعر يترجمها الكاتب في نص يقترب من الخاطرة ولا يرقى أن يكون قصة قصيرة.

وعلى ما سبق يمكن القول: إن الهاجس الإنساني الذي طغى على معظم القصص قد قيّدها كثيراً، وحدّ من فتح أمدائها وفضاءاتها، وسيطر على مآلاتها ونهاياتها التي جاءت كما يريد الكاتب تماماً، لا كما تقتضيه الضرورة الإبداعية، إلا أن ما يشفع لكلّ ذلك أن حسان علي أفرد قصصه برمتها، حتى في المجموعات السابقة، للناس البسطاء الذين تخلو حياتهم من أي تحولات أو تعقيدات، وكأنهم ارتضوا أن يكونوا على هامش الحياة، يرزحون تحت نير واقع مترع بالوجع والألم والحزن والفقد والحرمان والخيبة وانتظار أمل ربما سيأتي في يوم قريب ليبتسم أخيراً هذا المخيم.

 

*ناقد وكاتب فلسطيني سوري/ دمشق.

 


تعليق

إقرأ أيضًا

بوابة دمشق

حين نموت… هل يموت أثرنا؟ د. تمام كيلاني

حين نموت… هل يموت أثرنا؟ د. تمام كيلاني
بوابة دمشق

الغوطة… جريمة لا يجوز أن تموت مع الضحايا..!! د. تمام كيلاني

الغوطة… جريمة لا يجوز أن تموت مع الضحايا..!! د. تمام كيلاني
بوابة دمشق

"نبض الزيتون".. نبضُ الحبّ ينبوعُ الحياة!

"نبض الزيتون".. نبضُ الحبّ ينبوعُ الحياة!
بوابة دمشق

حين ينهض الموتى لمحاكمة جلّاديهم..!! د. تمام كيلاني

حين ينهض الموتى لمحاكمة جلّاديهم..!! د. تمام كيلاني
بوابة دمشق

مقهى وذاكرة وشاعر..!! عبدالكريم العفيدلي

مقهى وذاكرة وشاعر..!! عبدالكريم العفيدلي
بوابة دمشق

في طريق العودة من سوريا إلى فيينا، كان لا بد من "استراحة قسرية"..!! د. تمام كيلاني

في طريق العودة من سوريا إلى فيينا، كان لا بد من "استراحة قسرية"..!! د. تمام كيلاني
بوابة دمشق

بين نشوة الوطن وصدمة الواقع: حين تصطدم المحبة بالفوضى!

بين نشوة الوطن وصدمة الواقع: حين تصطدم المحبة بالفوضى!
بوابة دمشق

واقعية الحكاية والسرد في روايتي عائشة قسوم

واقعية الحكاية والسرد في روايتي عائشة قسوم


الاكثر شهرة
المرأة بين الهشاشة والتنميط في مجموعة " بائعة الورد للكاتبة لطيفة محمد حسيب القاضي

  المرأة بين الهشاشة والتنميط  في مجموعة " بائعة الورد للكاتبة لطيفة محمد حسيب القاضي قراءة نقدية...

في يوم الطبيب العالمي!! د. تمام كيلاني

في يوم الطبيب العالمي!!   د. تمام كيلاني*   في يوم الطبيب العالمي، لا نكتب كلماتٍ عابرة، ولا نكت...

الكاتبة سارة المطيري:أن المعرفة لا تُبنى من طريق واحد

 الكاتبة سارة المطيري:أن المعرفة لا تُبنى من طريق واحدأجرى الحوار:لطيفة محمد حسيب القاضي  في زمنٍ ت...

"أحدهم يحاول أن يخبرنا شيئاً.. عن تقاطع الميتافيزيقي والرمزيّ مع الواقعي، سمية الإسماعيل

    "أحدهم يحاول أن يخبرنا شيئاً.. عن تقاطع الميتافيزيقي والرمزيّ مع الواقعي،     سمية الإسماعيل*...

تابعونا


جارٍ التحميل...