هل استطاعت "سراب" الرواية الخروج من محيطها!
هل استطاعت " سراب" الرواية الخروج من محيطها!!
جدوى عبود*
رواية تشبه سيمفونية في لغتها الظاهرة بينما تخفي قلقاً وحاجة مضمرة في طيات المعنى.
عناوين فصولها عتبات تفتح السرد على حقول من اللهفة والحاجة للانتماء وقد ارتدت البطلة قناع العمل والأمومة والحضور الإجتماعي المؤثر و مساحة من الثقة بالنفس..
بينما يتدرج القارئ بين السطور يحيط بحواسه أثر الرغبة التي تمثلت في
ذاكرة جسد تسللت نسمات متدفقة وغيم قريب لا يمكن أن تخفيه السطور.. من هنا أقول هذا النص يتناول جوع الجسد ورغبته من ناحية و قلق النفس وتوترها من ناحية أخرى.
استطرد الخيال محلقاً حيث السفر و الرغبات متاحةٌ في إشارة إلى توازن نادراً ما تعيشه الأنثى بعد تجربة الطلاق و إعالة الأبناء
وهي" البطلة " حين وضعت نصب عينيها أن تملك نفسها:
"ملكتُ نفسي إذ ملكت منطقي"
كان:
الطلاق ووجود الأبناء و شهادة عالية تحملها وبالتالي العمل كفئة أولى قد حقق مساحات من الحرية في السفر واللقاءات والاجتماعات بما أقنع وجذب القارئ الذي اعتاد سلطة العادات والتقاليد وحشرية الأهل والمجتمع القريب في كل حركة تقوم بها المرأة المهمشة.
سراب بلا تعريف..
أي سراب قصد العنوان ؟
هل هو "سراب" أن تختار المرأة الطلاق وتحقّقه وتستمر في حياة متوازنة في بلادنا؟
أم هو "سراب" أن تجد المطلقة من يرفع قدرها كملكة متوجة معشوقة في نظر رجل بمثل هذه المكانة والقيمة والنبل؟
أم هو "سراب" إمكان اتخاذ قرار السفر والحب والزواج ومن بعده الرحيل وتحويل كل هذا إلى واقع؟
حين شعرتْ أنها ستقترب ممن تحب بما يحرقها ويحرقه معاً اختارت البعد..
أليس الزواج هو ذاك الاقتراب والالتصاق الذي يطفئ اللهفة ويخمد نار الحب؟
بقي النصف الأول من الرواية ذاكرة للجسد وتداعيات لحاجته (الاحتضان والقبلة والسلام وشرب القهوة والنظرة واللقاء..)
بينما تكشف السرد عن علاقة خارج إطار الزواج مع امرأة مطلقة لديها ولدان صبي وبنت .
طبعاً الرجل لايحتاج إلى مبرر للخيانة
كذلك امرأة مطلقة..
هي تخون امرأة تعرفها حق المعرفة وتقول عنها رقيقة لطيفة ومحترمة.
هل تخان فقط الفوضوية المهمِلة ؟ الكاذبة الساقطة ذات الصوت العالي الرعناء من لاتطبخ؟...ليس شرطاً..
تخان الجميلة أيضاً والأنيقة المحترمة ومن تقدم لزوجها الجسد والتقدير والحب تخان أيضاً..
لعل متعة بعض الرجال على مر الأزمنة تحطيم شيء ما.. فيها، تحطيم كرامة من ترضى به وتحويلها إلى صقيع أو حطب لمجرد أنها قريبة متاحة ، فهو يمتلك ويقرر وله حرية التصرف حتى في مشاعر الزوجة.
البطلة لها تجربة سابقة ،عرفَت أن القرب سيعيدها إلى مربع الإهمال والانتظار المقيت.
وعرفت أنها فائض عن حاجته
وعرفت أنها تهين امرأة
كما أنها تهين نفسها
وقد جربت مذاق أن تخان وانسحبت بطلاق رغم وجود أبناء.
في النص جمل قصيرة تحمل دلالات محددة :
* حين تبحث عن عذر لمن لا عذر له؛ تأكد أنك في أعلى
قمة الحب: نزار قباني
* ملكت نفسي لو ملكت منطقي/حكمة ..هنا منطقي: هو منطق التفكير السليم.
* كل شيء يكون أصعب حين يكون الحب في الظل.
* لولا القلوب الطيبة لكانت الحياة قاسية لا تطاق/ هيلين كيلر.
من ناحية الموضوع حرصت الكاتبة أن يبدو عليها فائض أنوثة، فائض أمومة، فائض نجاح في العمل
فكان ممكناً أن يبقى حبها في الخفاء.
مثالية عاشها بطل رواية كاجوال ..
في الحقيقة حركت الرواية شيئاً داخل القارئ في ثلثها الأخير أكثر حيث تمزقت روح البطلة العاشقة بين الحب والتعلق والحاجة وبين أن ترحل وتضع حداً لما لا يمكن أن تعلنه على الملأ فهو خطيئة في نظرها رغم إتمام الزواج شرعاً..
رواية تقليدية من حيث الموضوع.
الجمال يكمن في الإيقاع السردي الذي اقترح الحدث وعبر التفاصيل والمواقف دون تبرير تاركاً فسحة لتواصل النص مع قارئه واكتشاف الأبعاد
الجمال يكمن في الجمل القصيرة التي بقيت على إيقاع معزوفة كاروسو على التشيلو للعازف الإيطالي ستيبان عاوز حيث تصطخب وتهدأ بما يناسب إيقاع التوتر والسكون والقلق والعزلة الداخلية والحاجة إلى الاهتمام..
الجمال يكمن في أنها كتبت بطريقة مضمخة بشاعرية الأنثى وإحساسها وشغفها بالحب وباحتياج جسدها وقد زينت الرجل بأجمل الصفات كولِهٍ وعاشق ومتعاون وداعم حتى حديثها عن زوجها السابق لم يكن إلا في حدود الإهمال للأسرة والمشاعر..حتى بواب البناء ، وكذلك كارل مدير أعمالها في لندن بريطانيا.
اللغة سلسة رشيقة منسابة بلا تكلف كيف لا وهي تتحدث عن الهيام والسهر واللقاءات والهدايا دون إزعاج أو منغصات..
تمكنت اللغة من إدارة المشاعر نحو ذروة وقرار ونهاية شاعرية ضمن السراب دون توضيح ولا شرح ولاتبرير
بينما تعاني الأنثى الأمرّين في مجتمعاتنا العربية إذا تطلقت وتعاني إذا أحبت وإذا انفصلت وهي في كل هذا طوع أمر الرجل اب وزوج وابن وأخ..بسبب سلطة الحاجة المادية التي تهيمن أكثر من أي شيء آخر.
المعرفة النضج والثقة بالنفس و الاستقلال المادي هو ما يجعل السراب حقيقة والقرار مدروساً والاستقرار والفرح والرضا عن النفس ممكناً.
سراب رواية للكاتبة الدكتورة مي عبد الحميد عزت.
*ناقدة وكاتبة سورية.
كلمات البحث
تعليق / الرد من
إقرأ أيضًا
شرق غرب وجهاً لوجه.. في رواية "توتنغهام في علبة لشمانيا"!!
معرض دمشق الدولي للكتاب ٢٠٢٦: عودة ثقافية جديدة!!
الاكثر شهرة
إفطار جائع خيرٌ من إفطارٍ جامع!!
إفطار جائع خيرٌ من إفطارٍ جامع!! جلال دشان* لسنا في مقام معاداة أحد، ولا في مقام تصنيف النا...
بالله قفي قصيدة د. عبد الولي الشميري
بالله قِفيشعر الدكتور عبد الولي الشميري ما بالُ الحُبِّ مَشانِقُهُتَغتالُ الصَّبَّ وتُحْرِقُهُ؟والش...