الغابة والصراع من أجل البقاء..!!د. قاسم عبد العزيز الدوسري
الغابة والصراع من أجل البقاء..!!
د. قاسم عبد العزيز الدوسري*
قراءة نقدية تحليلية لقصة "الغابة" – روعة سنوبر
نص "الغابة" يقوم على بناء رمزي كثيف، حيث تتحول الغابة من فضاء طبيعي إلى عالم داخلي/إنساني تتصارع فيه الغرائز، السلطة، المعرفة، والخداع. الكاتبة لا تقدم حكاية عن حيوانات فقط، بل تصنع حكاية رمزية (فانتازيا سردية) تحمل طبقات من التأويل.
1 ـ العنوان ودلالته
اختيار عنوان "الغابة" موفق لأنه يفتح الباب منذ البداية أمام عالم القوانين البدائية والصراع من أجل البقاء. الغابة هنا ليست مكانًا جغرافيًا، بل صورة مصغرة للمجتمع، حيث لكل كائن دوره وصفته النفسية.
2 ـ التحول الرمزي للشخصية
البداية تحمل مفتاح النص:
"ارتديت جلدي، بعد أن كنت قد خلعت آخر، كما تفعل الأفعى"
هنا يظهر رمز الأفعى بوصفه رمزًا للتجدد والتحول، لكنه أيضًا يحمل إيحاءات بالمكر والخفاء. الشخصية لا تدخل الغابة بهويتها الأولى، بل بهوية جديدة؛ كأنها تمر بعملية إعادة تشكيل للذات.
الجلد الأسود المرصع بالنجوم يحمل تناقضًا جميلًا:
الأسود يوحي بالغموض والليل والجانب الخفي، بينما النجوم تمنحه بريقًا وجمالًا. ثم يأتي التحول في النهاية إلى:
"صار ثوبي الأسود ناصع البياض"
وهذا التحول ليس شكليًا فقط، بل انتقال من موقع المتلقي إلى موقع السلطة.
3 ـ الغابة كمجتمع بشري
الحيوانات ليست شخصيات مستقلة بقدر ما هي نماذج بشرية:
البوم الحكيم: يمثل المعرفة أو السلطة الفكرية، لكنه ليس بريئًا تمامًا؛ فهو يمتلك الهيبة والمنبر والتلاميذ، لكنه في النهاية يصبح ضحية.
الغراب: صورة للتبعية، يردد دون فهم:
"مؤيدًا أقوال البوم الحكيم، دون أن يفقه ما قد قيل"
وهنا نقد واضح لمن يكرر الخطاب دون وعي.
النمل: رمز للكادحين الذين يجمعون ثم يُحرمون.
الفيل: القوة الجسدية الضخمة.
الأرانب: الخوف والانسحاب.
القردة: العبث والفوضى واللعب.
إنها لوحة اجتماعية كاملة بلغة الحيوان.
4 ـ المفارقة بين الحكمة والافتراس
أجمل ما في النص أن البوم الذي يمثل الحكمة يتحول إلى غذاء. هنا تقوم الكاتبة بقلب المعادلة:
من يملك المنبر ليس بالضرورة الأقوى، ومن يقدم المواعظ قد يصبح فريسة.
المشهد الذي تلتف فيه الشخصية حول عنق البوم يحمل دلالة عميقة:
"أطبقت عليها بشدة، فضاعت صرخاته المستغيثة دون أن تُسمع"
إنها صورة عن إسكات الصوت، وعن انتقال السلطة من صاحب الخطاب إلى من يملك القدرة على الفعل.
5 ـ الصراع الداخلي للشخصية
الشخصية ليست شريرة بالمعنى المباشر، فهي تظهر أولًا جائعة وضائعة:
"زحفت ببطء شديد على بطني الخاوية"
الجوع هنا يمكن قراءته كجوع مادي، لكنه أيضًا جوع للمعرفة أو المكانة أو الاعتراف. لذلك حين تأكل البوم لا تأكل جسده فقط، بل تمتص رمزه وموقعه.
والدليل:
"نبت الريش فوق جسدي"
كأنها لم تقتل الحكمة فقط، بل ورثتها.
6 ـ النهاية ودائرة السلطة
النهاية ذكية:
"صعدت إلى المنبر، وتجمهر التلاميذ من حولي"
هنا تتحقق المفارقة الكبرى: الشخصية التي كانت خارج النظام أصبحت جزءًا منه. لقد تغير الشكل، لكن السؤال يبقى:
هل تغير الجوهر؟
وهذه النهاية تفتح بابًا فلسفيًا: هل السلطة تغيّر أصحابها؟ وهل من يصل إلى القمة يصبح شبيهًا بمن أسقطه؟
7 ـ اللغة والأسلوب
اللغة سردية شاعرية، تعتمد على:
التشخيص (إعطاء الحيوان صفات بشرية)
الصورة الحسية (الرائحة، الريش، الدفء، الحركة)
التدرج الدرامي
الرموز المفتوحة
وفيها نَفَس قريب من الحكاية الرمزية الحديثة التي تستخدم البنية البسيطة للوصول إلى أسئلة عميقة.
الخلاصة
"الغابة" نص رمزي عن التحول والهوية وصراع البقاء وتداول السلطة. قوته لا تأتي من الحدث وحده، بل من المسافة بين ما يُحكى وما يُقصد. إنها غابة خارجية لكنها في الحقيقة غابة النفس والمجتمع؛ حيث لا يكفي أن تمتلك الحكمة، فقد تحتاج أحيانًا إلى امتلاك القوة لكي تبقى.
الناقد د. قاسم عبد العزيز الدوسري
الغابة
روعة سنوبر
ارتديت جلدي ، بعد أن كنت قد خلعت آخر ، كما تفعل الأفعى ، لم يعجبني جلدي الجديد، على الرغم من أنه كان ثوبا أسود أنيقا ، مرصعا بالنجوم.
دخلت في جحر ضيق، فصرت في الطرف الآخر من العالم.
كانت الفراشات تتراقص كما الأغصان، وحدها الغابات لطالما كانت تسحرني، عناق الأشجار ، حفيف أوراقها ، رائحة الخشب والتراب .
ولجت في الحلم أكثر حتى تواريت عن الأنظار .
صعد البوم إلى المنبر يعظ مجموعة من الحيوانات، كان من بينهم جماعة من النمل سُرق مخزونها من القمح الذي كانت قد ادخرته لأيام الشتاء ، وأيضا دب كبير لم يجد سمكا ليأكله ، في تلك الأثناء كان الغراب يحلق ناعقا ، مؤيدا أقوال البوم الحكيم ، دون أن يفقه ما قد قيل وما سوف يقال ، شردت قطة بريّة ، تتمايل حاملة بين فكيها سمكة تسبح دونما ماء، رفع الفيل خرطومه ، بعد أن أنهى وجبته الدسمة ، ملوحا في الهواء ، ، كانت الأرانب مختبئة ، كما هي دوما ، القردة تلعب وتتقافز بين الأشجار ، تسرق الثمار بخفة ، وتسبب الفوضى كعادتها ، وكنت جائعة جدا !!.
الأرانب مختبئة ، القردة لاهية وبعيدة ، القطة أكلت سمكتها وغادرت نحو صيد آخر ، الفيل ضخم جدا ، بالإضافة إلى أنه عصي على الهضم ، أما الغراب ، فما يزال ينعق عاليا في القمة ، و بقية الحيوانات كانت تطلب العظة من البوم الحكيم .
زحفت ببطء شديد على بطني الخاوية ، كان البوم الحكيم يلبس ريشا ناصع البياض ، وجبة دسمة وأكثر اغراء من تلاميذه ، انتظرته حتى فرغ من عظاته التي أعجبتني كثيرا ، فصفقت له كثيرا .
حين عاد إلى سريره ليستريح ، تسللت محاولة احتضان جسده السمين ، كان السرير دافئا ، لففت جسدي حوله ، محاولة عناقه ، لكنه أبى ، أبعدني وانكمش على نفسه ، حاولت أن أُقبِله ، فأمسك رقبتي بطرفي جناحيه ، وحاول خنقي ، خلّصتُ جسدي بحركة خفيفة ، حاول الفرار ، فأمسكته ، استفزتني صرخاته و أزعجتني ، استدرت حول عنقه ، محيطة بحنجرته ، أطبقت عليها بشدة ، فضاعت صرخاته المستغيثة دون أن تُسمع .
وسط الهواء المنعش ، أكملت النوم على سريره حتى الصباح .
لم أستطع نزع ريشه الذي ما زالت بقاياه عالقة في حلقي حتى الآن ،لكن طعمه كان لذيذا ومستساغا .
في اليوم التالي ، نبت الريش فوق جسدي ، وصار ثوبي الأسود ناصع البياض .
صعدت إلى المنبر ، وتجمهر التلاميذ من حولي ، عندها فقط ، أحببت ثوبي الجديد .
* أديب وناقد عراقي.
كلمات البحث
تعليق / الرد من
إقرأ أيضًا
من القلم إلى القدم.. إلى الإبهام..!! د. تمام كيلاني
في ذكرى رحيل المقبور حافظ الاسد لا تُلمِّعوا وجه الطغيان ولاسلام على المجرمين ..!! د. تمام كيلاني
مدينة إسطنبول عبر التاريخ..!! د. تمام كيلاني
نبض الأرض الفلسطيني في دمشق: أكثر من معرض للفن التشكيلي..!! عمر سعيد
نجاة رجاح... حين يصبح الشعر وطناً آخر!! كوثر جعفر
الاكثر شهرة
المرأة بين الهشاشة والتنميط في مجموعة " بائعة الورد للكاتبة لطيفة محمد حسيب القاضي
المرأة بين الهشاشة والتنميط في مجموعة " بائعة الورد للكاتبة لطيفة محمد حسيب القاضي قراءة نقدية...
"أحدهم يحاول أن يخبرنا شيئاً.. عن تقاطع الميتافيزيقي والرمزيّ مع الواقعي، سمية الإسماعيل
"أحدهم يحاول أن يخبرنا شيئاً.. عن تقاطع الميتافيزيقي والرمزيّ مع الواقعي، سمية الإسماعيل*...
في يوم الطبيب العالمي!! د. تمام كيلاني
في يوم الطبيب العالمي!! د. تمام كيلاني* في يوم الطبيب العالمي، لا نكتب كلماتٍ عابرة، ولا نكت...
شعبٌ لا ينسى الجميل… لأننا نحبّ الحياة!!..
شعبٌ لا ينسى الجميل… لأننا نحبّ الحياة!!.. جلال دشان* "سوريا بلدكم الثاني. قالوا: «من...