المشهد الأخير..!! روعة سنوبر
المشهد الأخير..!!
روعة سنوبر*
لم يكن صوتها يصدر أنيناً، بل كان يصدر صراخاً من النوع الذي يهذي. قطة جائعة تموء بين حاويات القمامة، تفتش عن لقمة تسد بها رمق الحياة. تلك الحياة التي طالما تمنت أن تعيشها دون خوف أو جوع أو فاقة. خوف من الفقد، خوف من الحياة دون ابنها الوحيد العاجز عن إعالة نفسه بنفسه. لقد فتك به المرض عند طفولته، فجثم بين أطرافه مانعاً إياه من النهوض. فقط لو أن والده كان حياً ليحمل عنها ثقلاً لا تقوى على حمله وحدها. سنوات طويلة مرت وهي وحدها الأم والأب والعالم كله لوحيدها الذي رزقت به بعد طول انتظار وأمل، فكان هو أملها وسعادتها الوحيدة. لم يترك زوجها لهما من إرث سوى راتبه التقاعدي الذي لا يكفي ثمناً للدواء. لكن أي الدوائين له الأولوية؟ دواء ابنها المريض أم حقن الأنسولين التي لا يمكنها إيقافها، فهي من مقومات الحياة بالنسبة إليها.
"كيف يمكن للمريض أن يعيش دون دواء؟! إنها الفكرة التي تثير الذعر في قلبي. هل سوف يموت ابني الوحيد جوعاً أم قهراً إن أنا متُ؟ تبا للمرض وللموت معاً، ألا يتركان للمرء مساحة من الزمن يأخذ دونهما نفساً عميقاً ويستريح دون أن يتنهد حسرة وألماً".
فكرتْ: لو أنها ما زالت تعمل في مهنة التنظيف لدى تلك العائلة التي غادر أفرادها خارج البلاد منذ ثمانية أشهر تاركين لها تعويضاً عن خدمتها لهم. إن المبلغ كان ليكفي لدفع أجرة القبو الذي تسكناه لعدة أشهر فقط، وها قد شارف الشهر الأخير على الانتهاء ولم تجد عملاً جديداً حتى الآن. "يا إلهي، ما العمل الآن؟ ساعدني يا رب".
بحثت كثيراً وهي تطرق الأبواب. امرأة قد بدت على وجهها ملامح السنين وأنهك التعب والمرض جسدها الهزيل. ما حاجتهم بعاملة لا تقوى على العمل بجد؟ بعضهم قدم لها المساعدة بوجبة طعام أو مبلغ ضئيل من المال كان قد سدَّ بعضاً من الاحتياجات الضرورية لعدة أيام فقط. هي لم تتذكر منذ سنوات طويلة أنها اشترت قطعة ثياب لها أو لابنها، كل الثياب كانت مستعملة ترقع بعضها قدر ما استطاعت.
جرَّت أفكارها الشاردة شوارع البلدة تبحث عن خلاص لمآزقها، ولكن أيِّ المآزق له أولوية التفكير بالحل؟
ثمن دواء وحيدها؟ هي لا تريد الأنسولين، فليبقَ ابنها حياً، إن حياته تساوي الكثير بالنسبة إليها. "لكن من سوف يعتني به؟ يا إلهي، أتوسل إليك، فلترسل له أناساً يرعونه ويحبونه".
أما المأزق الثاني: كيف ستؤمِّن أجرة غرفة القبو وصاحبها يطلب زيادة الأجرة؟ كان المأزق الثالث والملح الذي طالما احتملته مع ابنها مرات ومرات هو الجوع بعينه. لكن هذه المرة كانت هي الأكثر فتكاً بصحة ولدها. "من قال إن الجوع ليس بمرض؟ من قال أن الفقر ليس بمرض؟ فليقتل الله كليهما، ويحيى وحيدي سالماً معافى".
جلست على الرصيف منكمشة على نفسها، تدفن رأسها بين ركبتيها باكية، وكأنها تبكي سنوات عمرها المنهكة كلها دفعة واحدة. تحتضن نفسها بين ذراعيها، لابد للإنسان أن يحتضن نفسه عندما لا يجد من يحتضنه. كانت لتسأل الجيران عن لقمة لابنها لكنها فعلت ذلك مراراً لعدة شهور حتى أنهم سئموا من سؤالها المتكرر، لقد شعرت بذلك من تململهم حين لم تعد تلك الأبواب تُفتح لها. هي ليست متسولة، ولم تكن يوماً كذلك، هي تملك نفساً عزيزة، لكنه ولدها، وحيدها هو كل ما تملك في هذه الحياة.
إنها القطط، قاطعت أفكارها المتخبطة حين جعلت تموء وسط برد يقسم العظام، باحثة عن بقايا الطعام.
لاحت الفكرة حاضرة في ذهنها الحائر. صرخت بتردد: "لا، ليس هذا يا إلهي، ليس هذا!" قفزت صورة ولدها أمام عينيها، لا يستطيع أن يتلوى من الجوع بسبب عجزه، لكنه جائع جداً، فالطعام لم يدخل جوفه منذ يومين ونصف اليوم. صاحت بهمس: "ليست القطط فقط من تريد إطعام صغارها. لماذا يا إلهي؟ لماذا أنا بالذات دوناً عن العالمين يكون ابني مريضاً وعاجزاً؟ لماذا كُتب عليَّ الشقاء في هذه الحياة الظالمة؟"
تقدم أحدهم يحمل كيساً متوسط الحجم، فاحت منه رائحة الطعام. كيف للجائع ألا يستشعر رائحة الطعام وهي توقظ حواسه كلها؟ فليست حاسة الشم وحدها تستطيع ذلك. دفنت رأسها في ثوبها كالنعام بطريقة لا تُظهر فيها انكسارها، فلا ينظر إليها ذلك الرجل. انتظرت ابتعاده عن نظرها تماماً، وقررت بإصرار متحدية ظروفها القاهرة: "نعم، يمكنني فعلها. ليس هناك ذل أقسى من الجوع نفسه".
تقدمت باتجاه حاوية القمامة تصارع القطط الشاردة بشراسة للحصول على تلك الغنيمة، وهي تشعر بأحقيتها. كانت أكثر شراهة للحياة من تلك القطط الضالة. ليست حياتها فحسب، بل حياة ابنها الحبيب. "فليعش هو، ولأمت أنا جوعاً أو مرضاً أو حتى قهراً، فذلك ليس ذا أهمية".
مدَّت بنصف جسدها داخل الحاوية والتقطت ذلك الكيس. كادت الرائحة أن تفقدها صوابها. ربما ما في الكيس بقايا من شرائح البطاطا المقلية وبعض قطع الدجاج أو حتى عظام دجاج. لا يهم، فهي ستضعه في الماء وتطهوه ليصبح مرقاً تسد به جوع ولدها. ولكن ماذا لو كان الكيس فارغاً؟ حاولت طرد هذه الفكرة المحبطة عنها، فهي تريد أن تتشبث بالأمل حتى لو كان ضئيلاً.
غزت شفتيها ابتسامة الظفر والانتصار، انتصار الحياة على الموت. شعرت بأنها تريد أن تنتقم، تنتقم لنفسها، لولدها، تنتقم من ذلك البؤس الذي يحاصرها، من الفقر والشقاء والجوع، من كل باب أُغلق في وجهها، من صاحب القبو النتن، من المرض اللعين، من قسوة الحياة وظلمها.
راحت دموع الفرح الحزين تملأ عينيها بعد أن حصلت على ذلك الكيس. في تلك اللحظة، ظهر أمام وجهها ضوء فلاش الكاميرا. لقد تكشَّف الظلام فاضحاً أمرها، ذلك الظلام الذي كان قبل لحظات يستر أمر استيلائها على كنز ثمين داخل حاوية القمامة، كنز يعادل حياة ولدها.
تصدَّر المشهد صفحات التواصل الاجتماعي وحتى الصحف والأخبار:
"امرأة تبحث عن بقايا الطعام داخل حاوية القمامة".
* كاتبة سورية/ دمشق.
كلمات البحث
تعليق / الرد من
إقرأ أيضًا
أركَ عصيّ الدمع.. حين يتحول الكبرياء إلى بكاء مؤجل..!! د. تمام كيلاني
حين يصبح التأجيل شكلا من أشكال الخسارة..!! د. تمام كيلاني
مختارات قصصية قصيرة جدا..!! عبد الباسط عبدالله
عيد الأضحى..حين ترتقي الروح فوق حدود الأرض..!! د. تمام كيااني
ثلاثون عاما على الرحلة التي غيرت الروح..!! د. تمام كيلاني
حقوق الإنسان والحريات العامة!! د. لبنى مرتضى
الاكثر شهرة
المرأة بين الهشاشة والتنميط في مجموعة " بائعة الورد للكاتبة لطيفة محمد حسيب القاضي
المرأة بين الهشاشة والتنميط في مجموعة " بائعة الورد للكاتبة لطيفة محمد حسيب القاضي قراءة نقدية...
"أحدهم يحاول أن يخبرنا شيئاً.. عن تقاطع الميتافيزيقي والرمزيّ مع الواقعي، سمية الإسماعيل
"أحدهم يحاول أن يخبرنا شيئاً.. عن تقاطع الميتافيزيقي والرمزيّ مع الواقعي، سمية الإسماعيل*...
في يوم الطبيب العالمي!! د. تمام كيلاني
في يوم الطبيب العالمي!! د. تمام كيلاني* في يوم الطبيب العالمي، لا نكتب كلماتٍ عابرة، ولا نكت...
شعبٌ لا ينسى الجميل… لأننا نحبّ الحياة!!..
شعبٌ لا ينسى الجميل… لأننا نحبّ الحياة!!.. جلال دشان* "سوريا بلدكم الثاني. قالوا: «من...