بين صوت الضمير وهمس القصر!!

بين صوت الضمير وهمس القصر!!
عبد الكريم العفيدلي

 

بين صوت الضمير وهمس القصر!!


 عبدالكريم العفيدلي*


يثير الحديث عن المثقف دائماً سؤالاً قديماً يتجدد مع كل مرحلة سياسية: لمن ينتمي المثقف؟ هل هو صوت الناس، أم صوت السلطة؟ وهل يستطيع أن يحافظ على استقلاله وسط ضغوط السياسة ومغريات المناصب؟
ليس من السهل الإجابة عن هذه الأسئلة، لكن المؤكد أن المثقف الحقيقي لا تُقاس قيمته بكمية ما يكتب، بل بقدرته على الدفاع عن الحقيقة حتى عندما تكون مكلفة.
هناك من يرى أن المثقف يجب أن يكون قريباً من الناس، يعبر عن همومهم ويكشف ما يعانونه من ظلم أو فساد أو تهميش. هذا المثقف لا يكتب لإرضاء أحد، بل لأنه يؤمن بأن للكلمة دوراً في تغيير الواقع. وقد عرف التاريخ نماذج كثيرة من هذا النوع، تركت أثرها لأنها بقيت وفية لمبادئها قبل أي شيء آخر.
وفي المقابل، يوجد مثقف اختار أن يكون قريباً من السلطة. وهذا لا يعني بالضرورة أنه شخص سيئ أو عديم الكفاءة، فليس كل من يعمل داخل مؤسسات الدولة يفقد استقلاله. المشكلة تبدأ عندما تتحول الثقافة إلى وسيلة لتبرير الأخطاء أو تجميل الواقع، وعندما يصبح الدفاع عن السلطة هدفاًيتقدم على الدفاع عن الحقيقة.
في أحيان كثيرة، لا يكون الاختلاف بين الطرفين في مقدار المعرفة، بل في طبيعة الولاء. فمثقف الشعب يرى أن مسؤوليته الأولى تجاه المجتمع، بينما يضع مثقف السلطة استقرار النظام أو مصالحه في مقدمة أولوياته. وبين هذين الموقفين تبقى مساحة واسعة تضم مثقفين يحاولون الجمع بين الانتماء للوطن والحفاظ على استقلال الرأي.
والحقيقة أن العلاقة بين الثقافة والسلطة ليست دائماً علاقة صدام. فالدولة تحتاج إلى مثقفين يقدمون الرأي والنقد، كما يحتاج المثقف إلى بيئة تحترم حرية التفكير. وعندما تتقبل السلطة النقد بوصفه وسيلة للإصلاح لا تهديداً لها، تصبح الثقافة شريكاً في بناء المجتمع، لا خصماً له.
لكن يبقى الخطر قائماً عندما يفقد المثقف حريته، سواء بسبب الخوف أو الطمع أو الرغبة في إرضاء الجمهور. فالتبعية ليست حكراً على السلطة، كما أن الاستقلال لا يتحقق بمجرد رفع الشعارات.
في النهاية، لا أعتقد أن السؤال الحقيقي هو: هل المثقف مع السلطة أم مع الشعب؟ بل: هل هو مع الحقيقة؟ فالمثقف الذي يحافظ على ضميره سيبقى محل احترام، مهما اختلف الناس مع آرائه، أما الذي يجعل مواقفه رهينة للمصلحة، فلن تنفعه المناصب ولا الألقاب في الحفاظ على مكانته.
تبقى الكلمة الصادقة هي الامتحان الأصعب، لأنها لا تحتاج إلى شجاعة في الكتابة فحسب، بل إلى شجاعة في تحمل نتائجها أيضاً.

 

*كاتب وشاعر سوري/ الرقة.


تعليق / الرد من

إقرأ أيضًا

بوابة دمشق

عبد الله كويليام.. الرجل الذي أشعل أول مصباح للإسلام في قلب بريطانيا..!! د. تمام كيلاني

عبد الله كويليام.. الرجل الذي أشعل أول مصباح للإسلام في قلب بريطانيا..!! د. تمام كيلاني
بوابة دمشق

محمد أسد.. الرجل الذي عبر من الغرب إلى روح الإسلام. !! د. تمام كيلاني

محمد أسد.. الرجل الذي عبر من الغرب إلى روح الإسلام. !! د. تمام كيلاني
بوابة دمشق

أمينة الجباري: حين تسكن الفراشات النص!! كوثر جعفر

أمينة الجباري: حين تسكن الفراشات النص!! كوثر جعفر
بوابة دمشق

عدنان مندريس.. شهيد الديمقراطية وصوت الأذان الذي عاد إلى سماء تركيا..!! د. تمام كيلاني

عدنان مندريس.. شهيد الديمقراطية وصوت الأذان الذي عاد إلى سماء تركيا..!! د. تمام كيلاني
بوابة دمشق

من باريس إلى دمشق: هل حان وقت مراجعة الشهادات الأكاديمية المشكوك بها..؟! د. تمام كيلاني

من باريس إلى دمشق: هل حان وقت مراجعة الشهادات الأكاديمية المشكوك بها..؟! د. تمام كيلاني
بوابة دمشق

سيغريد هونكه… Sigrid Honke شاهدةٌ للحقيقة في زمن العمى الحضاري..!! د. تمام كيلاني

سيغريد هونكه… Sigrid Honke شاهدةٌ للحقيقة في زمن العمى الحضاري..!! د. تمام كيلاني


الاكثر شهرة
المرأة بين الهشاشة والتنميط في مجموعة " بائعة الورد للكاتبة لطيفة محمد حسيب القاضي

  المرأة بين الهشاشة والتنميط  في مجموعة " بائعة الورد للكاتبة لطيفة محمد حسيب القاضي قراءة نقدية...

في يوم الطبيب العالمي!! د. تمام كيلاني

في يوم الطبيب العالمي!!   د. تمام كيلاني*   في يوم الطبيب العالمي، لا نكتب كلماتٍ عابرة، ولا نكت...

"أحدهم يحاول أن يخبرنا شيئاً.. عن تقاطع الميتافيزيقي والرمزيّ مع الواقعي، سمية الإسماعيل

    "أحدهم يحاول أن يخبرنا شيئاً.. عن تقاطع الميتافيزيقي والرمزيّ مع الواقعي،     سمية الإسماعيل*...

شعبٌ لا ينسى الجميل… لأننا نحبّ الحياة!!..

    شعبٌ لا ينسى الجميل… لأننا نحبّ الحياة!!..   جلال دشان*   "سوريا بلدكم الثاني. قالوا: «من...

تابعونا


جارٍ التحميل...