حفاة المدن!! حيدر الأديب
حفاة المدن!!
حيدر الأديب*
ثلاثية العبور والضوء والصمت في قصص إلهام عيسى القصيرة جدًا قراءة نقدية.
تضع إلهام عيسى في ثلاثيتها القصصية القصيرة جدًا حفاة المدن نصًا يقوم على مفارقة حادة بين هشاشة الجسد وقوة المعنى. فالشخصيات هنا تمشي حفاة، محاصرة بالجوع، بالغياب، بانقاض العالم، بصمت المحراب، غير أنّ حركتها الداخلية تمتلك طاقة عبور تتجاوز المدينة الأرضية إلى أفق أعلى. هذه الثلاثية لا تراهن على الحكاية الممتدة، ولا على الحدث المتتابع، إنّها تؤسس مشهدًا دلاليًا متحركًا، تتراكم فيه الصورة فوق الصورة، حتى يصبح النص القصير فضاءً رمزيًا مضغوطًا، يجمع بين الألم، القداسة، المقاومة، الفن، والنجاة الروحية.
في النص الأول، حفاة المدن، تبدأ الكاتبة من الغياب: “على أجنحة الغياب قطعوا تذاكر سفر على غير موعد”. الغياب هنا قوة نقل، لا فراغًا عابرًا. إنّه الجناح الذي يحمل الراحلين إلى معنى آخر، وقد اختارت الكاتبة صورة السفر دون موعد كي تجعل الموت أو الرحيل فعلًا خارج الحساب اليومي. المسافرون لا يملكون حقيبة، لا يحضرون استعدادًا، لا يدخلون المدينة بوصفهم عابرين عاديين؛ إنهم “وحدهم من يملك جواز العبور إلى مملكة السماء”. الجواز في هذا الموضع علامة رمزية، يمنح النص بنية اصطفاء أخلاقي وروحي. الذين مشوا حفاة في مدينة الطهر لم يدخلوا السماء عبر الامتياز الأرضي، دخلوا عبر الفقر النبيل، عبر الجوع، عبر الحلم، عبر الكتاب، عبر الكلمة.
تتكون مركزية النص من مفردة الحفاء. الحافي هو الكائن الذي فقد وساطة الحماية بين جسده والأرض. في القصة القصيرة جدًا تتحول هذه المفردة إلى مفتاح تأويلي؛ فالقدم العارية تلامس الخطر مباشرة، وتلامس الطهر مباشرة أيضًا. المدينة في النص ليست مكانًا عمرانيًا خالصًا، إنها حقل امتحان. ومن هنا تأتي عبارة “بمسامات جائعة”، فالكاتبة لا تجعل الجوع في البطن وحده، تنقله إلى المسام، إلى الجسد كله، إلى الكيان بوصفه سطحًا يتلقى الحرمان. ومع ذلك تتحول أدوات الضعف إلى أدوات مقاومة: “كانت كتبهم سلاحًا.. وأحلامهم مدافع من نور... كلماتهم بيارق مرفوعة”. هنا تتبدل وظيفة الثقافة؛ الكتاب لا يبقى أثرًا معرفيًا ساكنًا، يصير سلاحًا رمزيًا، والحلم لا يبقى رغبة معلقة، يصير مدفعًا من نور، والكلمة لا تبقى ملفوظًا، تصير راية.
تشتغل القصة الأولى عبر اقتصاد لغوي عالٍ؛ فهي لا تشرح مصير هؤلاء الحفاة، تضعهم في سلسلة علامات: غياب، سفر، جواز، سماء، مدينة، طهر، جوع، كتب، أحلام، نور، كلمات، بيارق. هذه العلامات تصنع قوسًا سرديًا مكثفًا، يبدأ من الفقد وينتهي بالرفع. الرفع هنا لا يأتي عبر انتصار مادي، إنّه رفع رمزي للكلمة فوق الخراب. لذلك تبدو القصة أقرب إلى مرثية مقاومة، ترثي الحفاة وتمنحهم سلطة معنوية في الوقت نفسه.
في النص الثاني، قوس قزح، تنتقل الثلاثية من جماعة الحفاة إلى ذات مؤنثة تقف أمام عالم محطم. تبدأ الجملة بـ: “البرق يخطف منها آخر الأمنيات”. البرق هنا ليس ضوءًا رقيقًا، إنه ومضة خاطفة تسلب البقية الأخيرة من الرجاء. ولأن القصة القصيرة جدًا تقوم على شحنة دلالية مكثفة، فإن كلمة “آخر” تؤدي دورًا حاسمًا؛ فالشخصية لم تفقد أمنية واحدة، بل وصلت إلى الحافة الأخيرة من الرغبة. مع ذلك تتحرك الشخصية حول الضوء: “تلتف حول الضوء”. هذا الالتفاف يكشف أنها لا تواجه العتمة بالهروب، ولا تواجه البرق بالخضوع، إنما تدور حول مصدر الإشراق بحثًا عن صيغة جديدة للحياة.
ثم تأتي الجملة المركزية: “مشت على أنقاض العالم.. أمسكت ريشتها رسمت قوس قزح”. هنا تتضح العلاقة بين الخراب والفن. العالم صار أنقاضًا، والفنانة لا تعيد بناءه بالحجر، تعيد كتابته باللون. الريشة في هذه القصة تقابل الكتاب والكلمة في النص الأول. وإذا كان الحفاة حملوا كتبهم سلاحًا، فإن المرأة هنا تحمل ريشتها خلاصًا جماليًا. قوس قزح ليس زينة في فضاء النص، إنه فعل مقاومة لونية ضد البرق الخاطف، وضد العالم المنهار. القصة تمنح الفن وظيفة إنقاذية، من غير أن تسقط في الوعظ. الفن هنا لا يلغي الخراب، يضع فوقه أثرًا مضادًا، ويعيد للذات حقها في رسم العالم.
تبلغ القصة ذروتها في العبارة: “دونت العالم بملامحها هي دون العالمين”. هذه جملة شديدة الكثافة؛ فالملامح تتحول إلى كتابة، والوجه يتحول إلى دفتر، والذات الأنثوية تتحول إلى مرجع جمالي للعالم. لا تكتب الشخصية العالم من خارجه، تكتبه بملامحها، أي بجرحها وتجربتها ونظرتها وذاكرتها. هنا تظهر قوة القص الموجز عند إلهام عيسى: الشخصية لا تتطور عبر أحداث كثيرة، تتوهج عبر صورة واحدة ذات طاقة تأويلية عالية. المرأة التي خُطفت منها آخر الأمنيات تصير هي نفسها مصدر تدوين العالم. إننا أمام انقلاب دلالي: من ذات مسلوبة إلى ذات خالقة، من برق يخطف إلى ريشة ترسم، من أنقاض العالم إلى قوس قزح.
أما النص الثالث، صمت المحراب، فيدفع الثلاثية نحو أفق روحي أكثر وضوحًا. يبدأ النص بـ: “على ضفاف التوق حيث لا شيء يروي الظمأ”. التوق هنا ليس رغبة عابرة، إنه عطش وجودي. الضفة عادة مكان قرب من الماء، غير أنّ الظمأ يبقى قائمًا، وهذا التوتر يمنح النص طاقته الأولى: القرب من النهر لا يضمن الارتواء. ثم تستدعي الكاتبة صورة العصا والنهر المنشق: “كان النهر ينشق نصفين كلما لامسته عصاه”. الإحالة واضحة إلى الذاكرة الدينية، وخصوصًا معجزة العبور في قصة موسى. غير أن الكاتبة لا تكتفي باستدعاء الرمز، تعيد تشغيله داخل محنة معاصرة: النهر ينشق، الطريق ينفتح، غير أن الذات ما زالت تبحث عن مأوى في السماء.
الجملة اللاحقة: “بالأفق مد يديه.. تلامس عباب السماء لعل قطبًا يأويه” تجعل الشخصية في وضع ابتهال كوني. اليدان تمتدان إلى الأفق، والسماء تصبح بحرًا له عباب، والقطب يتحول إلى مأوى. إن صورة القطب هنا تحمل معنى المركز الروحي، النقطة التي تلمّ الشتات وتمنح الدوران جهة. لذلك تأتي الأرواح في النهاية: “وأرواح تحلق معه يصطفون جميعًا بمحراب صلاة صامتة”. الجماعة التي ظهرت في النص الأول بوصفها حفاة، تعود هنا بوصفها أرواحًا مصطفة. القوس البنائي للثلاثية يكتمل: من الحفاء الأرضي إلى الرسم فوق الأنقاض، ثم إلى الصلاة الصامتة في المحراب.
الصمت في عنوان النص الثالث ليس انقطاعًا عن المعنى، إنه أعلى درجات المعنى داخل هذه الثلاثية. فالكلمات في النص الأول بيارق مرفوعة، والملامح في النص الثاني تدوّن العالم، والصمت في النص الثالث يصبح صلاة. بذلك تتحرك الثلاثية من الكلمة إلى الصورة إلى الصمت. هذه الحركة تكشف وعيًا فنيًا دقيقًا: المقاومة تبدأ باللغة، تتجسد في الفن، ثم تبلغ منطقة روحية لا تحتاج إلى خطاب. وهنا تكمن قوة العنوان الكلي حفاة المدن؛ فالحفاة لا يسيرون في المدن وحدها، يسيرون في طبقات المعنى: مدينة الطهر، أنقاض العالم، ضفاف التوق، محراب الصلاة.
من زاوية بنية القصة القصيرة جدًا، لا تقدم إلهام عيسى حدثًا تقليديًا، إنها تعتمد على الحدث الرمزي. الحدث هنا ليس ما وقع في الزمن الخارجي، إنما التحول الذي يصيب العلامة داخل النص. في القصة الأولى يتحول الكتاب إلى سلاح، والحلم إلى مدفع من نور، والكلمة إلى بيرق. في القصة الثانية تتحول الأمنية المسلوبة إلى قوس قزح، والملامح إلى كتابة. في القصة الثالثة يتحول العطش إلى صلاة، والعصا إلى عبور، والصمت إلى محراب. هذه التحولات هي مادة السرد الحقيقية. القصة القصيرة جدًا عندها لا تسرد واقعة كاملة، تلتقط لحظة انزياح كبرى تجعل المفردة تنتقل من معناها اليومي إلى قدرها الرمزي.
وتكمن شعرية الثلاثية في أن الكاتبة تجعل اللغة تتحرك داخل حقلين متجاورين: حقل الفقد وحقل التعويض الجمالي. الغياب يقابله العبور، البرق الخاطف تقابله الريشة، الظمأ تقابله الصلاة. غير أن التعويض لا يأتي سهلًا؛ فهو يمر عبر الحفاء والأنقاض والصمت. لذلك لا تبدو هذه النصوص تفاؤلية بالمعنى البسيط، إنها نصوص تصرّ على استخراج المعنى من الجرح. وهذا ما يمنحها نبرة إنسانية عالية؛ فالكائن عند إلهام عيسى لا ينتصر لأنه أقوى من العالم، ينتصر لأنه يملك القدرة على تحويل كسوره إلى إشارات مضيئة.
يمكن قراءة الثلاثية أيضًا بوصفها انتقالًا من الجماعي إلى الفردي ثم إلى الكوني. في النص الأول تظهر الجماعة: “قطعوا، يملك، مشوا، كانت كتبهم، أحلامهم، كلماتهم”. في النص الثاني تظهر المفردة الأنثوية: “منها، مشت، أمسكت، رسمت، دونت”. في النص الثالث تتداخل المفردة بالجماعة الروحية: يدان ممدودتان، أرواح تحلق، اصطفاف في محراب. هذا الانتقال يمنح الثلاثية هندسة داخلية رشيقة: الجماعة الشهيدة أو الطاهرة، الذات الفنانة، الجماعة الروحية الصامتة. وكأن الكاتبة تقول إن الخلاص يمر بثلاث درجات: شهادة المعنى، خلق الجمال، صمت الصلاة.
على المستوى السيميائي، تقوم الثلاثية على علامات كبرى: الجواز، الكتاب، السلاح، المدفع، النور، الريشة، قوس قزح، العصا، النهر، المحراب. كل علامة تحمل ذاكرة ثقافية ودينية وجمالية. الجواز علامة العبور، الكتاب علامة المعرفة، السلاح علامة المقاومة، النور علامة التطهير، الريشة علامة الخلق الفني، قوس قزح علامة المصالحة بعد العاصفة، العصا علامة المعجزة، النهر علامة الاختبار، المحراب علامة الانقطاع إلى المطلق. هذه العلامات لا تأتي مبعثرة؛ إنها تصنع شبكة دلالية تجعل النصوص الثلاثة فصولًا قصيرة في حكاية روحية واحدة.
قيمة هذه الثلاثية أنها تمنح القصة القصيرة جدًا طاقة قصيدة مكثفة من غير أن تفقد طبيعتها السردية. فهناك حركة واضحة في كل نص: سفر الحفاة، مشي المرأة على الأنقاض، امتداد اليدين نحو الأفق. الحركة قليلة في ظاهرها، كثيفة في معناها. وهذا هو جوهر القص الموجز الناجح: أن يجعل الحركة الصغيرة بوابة لدلالة واسعة. إلهام عيسى تكتب الجملة بوصفها ومضة، وتترك خلف الومضة أثرًا طويلًا في القراءة. من هنا تبدو حفاة المدن ثلاثية عن الكائن الذي يسير عاري القدمين فوق أرض جارحة، ثم يحمل كتابًا، أو ريشة، أو صلاة، كي لا يترك العالم للخراب وحده.
في النهاية، تقدم هذه الثلاثية تصورًا جماليًا للنجاة. النجاة هنا ليست خروجًا من الألم، إنها قدرة على إعادة تسمية الألم. الحفاة لا يملكون أحذية، يملكون كلمات مرفوعة. المرأة لا تملك عالمًا سليمًا، تملك ريشة ترسم قوس قزح فوق أنقاضه. المصلي لا يملك ماء يروي الظمأ، يملك صمتًا يصطف فيه مع الأرواح. هكذا تتحول القصة القصيرة جدًا عند إلهام عيسى إلى مختبر للمعنى، حيث تنكسر المدينة، ويغيب الموعد، ويخطف البرق آخر الأمنيات، وينشق النهر، ثم تنهض من وسط ذلك كله كتابة حافية، مضيئة، صامتة، تعرف طريقها إلى السماء.
حفاة المدن ثلاثية ق ق ج
على أجنحة الغياب قطعوا تذاكر سفر على غير موعد. وحدهم من يملكون جواز العبور إلى مملكة السماء. مشوا حفاة في مدينة الطهر، بمسامات جائعة. كانت كتبهم سلاحًا، وأحلامهم مدافع من نور، وكلماتهم بيارق مرفوعة.
قوس قزح
البرق يخطف منها آخر الأمنيات. تلتف حول الضوء، وتمشي على أنقاض العالم. أمسكت ريشتها، فرسمت قوس قزح. دوّنت العالم بملامحها؛ هي وحدها، دون العالمين.
صمت المحراب
على ضفاف التوق، حيث لا شيء يروي الظمأ، كان النهر ينشق نصفين كلما لامسته عصاه. في الأفق مدّ يديه، تلامسان عباب السماء، لعل قُطبًا يأويه. وأرواح تحلق معه، يصطفون جميعًا في محراب صلاة صامتة.
*ناقد عراقي.
حفاة المدن على أجنحة الغياب قطعوا تذاكر سفر على غير موعد. وحدهم من يملكون جواز العبور إلى مملكة السماء. مشوا حفاة في مدينة الطهر، بمسامات جائعة. كانت كتبهم سلاحًا، وأحلامهم مدافع من نور، وكلماتهم بيارق مرفوعة.
قوس قزح البرق يخطف منها آخر الأمنيات. تلتف حول الضوء، وتمشي على أنقاض العالم. أمسكت ريشتها، فرسمت قوس قزح. دوّنت العالم بملامحها؛ هي وحدها، دون العالمين.
صمت المحراب على ضفاف التوق، حيث لا شيء يروي الظمأ، كان النهر ينشق نصفين كلما لامسته عصاه. في الأفق مدّ يديه، تلامسان عباب السماء، لعل قُطبًا يأويه. وأرواح تحلق معه، يصطفون جميعًا في محراب صلاة صامتة.
كلمات البحث
تعليق / الرد من
إقرأ أيضًا
إيبكاليبس الحرب : قراءة نقدية لقصة خبزنا الذي ننجبه أحمد فاروق بيضون..!!
من القلم إلى القدم.. إلى الإبهام..!! د. تمام كيلاني
الغابة والصراع من أجل البقاء..!!د. قاسم عبد العزيز الدوسري
في ذكرى رحيل المقبور حافظ الاسد لا تُلمِّعوا وجه الطغيان ولاسلام على المجرمين ..!! د. تمام كيلاني
الاكثر شهرة
المرأة بين الهشاشة والتنميط في مجموعة " بائعة الورد للكاتبة لطيفة محمد حسيب القاضي
المرأة بين الهشاشة والتنميط في مجموعة " بائعة الورد للكاتبة لطيفة محمد حسيب القاضي قراءة نقدية...
"أحدهم يحاول أن يخبرنا شيئاً.. عن تقاطع الميتافيزيقي والرمزيّ مع الواقعي، سمية الإسماعيل
"أحدهم يحاول أن يخبرنا شيئاً.. عن تقاطع الميتافيزيقي والرمزيّ مع الواقعي، سمية الإسماعيل*...
في يوم الطبيب العالمي!! د. تمام كيلاني
في يوم الطبيب العالمي!! د. تمام كيلاني* في يوم الطبيب العالمي، لا نكتب كلماتٍ عابرة، ولا نكت...
شعبٌ لا ينسى الجميل… لأننا نحبّ الحياة!!..
شعبٌ لا ينسى الجميل… لأننا نحبّ الحياة!!.. جلال دشان* "سوريا بلدكم الثاني. قالوا: «من...