حين يحرس الفشل المناصب!!
أ. جلال دشان
حين يحرس الفشل المناصب!!
أ. جلال دشان*
هل الحفاظ على الفاشل يحفظ المناصب… أم أن المجتهد أولى بالقيادة؟
في مسرح الحياة، لا تُقاس الأمم بعدد مناصبها، بل بجودة من يشغلها. والسؤال الذي يتردد في أروقة المؤسسات والجامعات والدوائر الحكومية ليس سؤالًا عابرًا، بل هو مفترق طرق:
هل الإبقاء على الفاشل حفاظٌ على “الاستقرار” والمناصب؟ أم أن الطالب المجتهد – حين تتاح له الفرصة – أقدر على الإدارة من مدير اعتاد الإخفاق؟
قد يظن البعض أن الحفاظ على الفاشل نوعٌ من الوفاء أو حمايةٌ للبنية القائمة. لكن الحقيقة التي لا يغطيها ستار المجاملة أن الفشل إذا تحوّل إلى سياسة، أصبح عدوى.
المدير الفاشل لا يحفظ المنصب، بل يفرغه من معناه. يبقي الكرسي مشغولًا، لكنه يترك المؤسسة خاوية من الإنجاز.
فالمنصب ليس لقبًا يُعلّق على الباب، بل مسؤولية تُترجم إلى نتائج.
إن الإبقاء على الفاشل بحجة “الخبرة” أو “الأقدمية” يشبه الاحتفاظ بسفينة مثقوبة خوفًا من تجربة قارب جديد. نعم،
قد يكون القارب أصغر،
لكن من يمسك بالمجداف بوعي واجتهاد، يصل. أما من اعتاد الركون إلى الماضي، فسيغرق ومن معه.
في المقابل، الطالب المجتهد ليس مجرد متفوق في الدرجات، بل هو عقل اعتاد البحث، وروح تمرّنت على المثابرة، ونفس لا ترضى إلا بالإتقان. والاجتهاد ليس مرحلة عمرية، بل منهج حياة. من يجتهد في مقعد الدراسة، يتقن في مقعد الإدارة إن أُعطي الفرصة، لأنه تعلّم أن النجاح لا يُمنح بل يُنتزع بالعمل.
وهنا نرى دليلًا حديثًا حيًّا على أن الاجتهاد لا يضيع، وأن الكفاءة تجد طريقها ولو بعد حين. فالفتاة السورية التي فازت بالمستوى الأول في مسابقة تعدد اللغات منذ أيام لم تصل صدفة، ولم يمنحها أحد منصبًا مجاملة، بل صعدت بدرج العلم درجةً درجة، وبنت مجدها حرفًا فوق حرف.
لم يحفظها لقب، ولم تدفعها واسطة، بل حملها الاجتهاد وحده إلى منصة التكريم.
وهكذا تكون الرسالة أوضح من كل تنظير:
النجاح لا يحتاج إلى حماية الفشل، بل يحتاج إلى تمكين المجتهدين.
فحين تتاح الفرصة لمن يستحق، يتحول الجهد إلى إنجاز، والحلم إلى حقيقة، والطالب إلى نموذج يُحتذى.
إن الأمم التي تفسح الطريق لأبنائها المجتهدين لا تخشى على مناصبها، لأنها تعلم أن الكفاءة هي الحارس الحقيقي للكرسي، وأن التفوق هو الضمانة الوحيدة للاستمرار
الإدارة ليست محفوظات قديمة، ولا شبكة علاقات تُحاك خلف الأبواب، بل رؤية، وتخطيط، ومساءلة. والمدير الفاشل – مهما طال بقاؤه – لا يحفظ المنصب،
بل يؤخر التطوير ويقتل الحماس ويصنع بيئة تطرد المبدعين. أما تمكين المجتهد فيُشعل روح التنافس ويزرع الأمل بأن الجهد يُكافأ.
إن الأمم التي تتقدم هي التي تضع الكفاءة فوق المجاملة، والمعيار فوق المجاملة،
والإنجاز فوق الولاء الشخصي. لأن الكرسي الذي يُحمى بالفشل يسقط، أما الكرسي الذي يُحمى بالكفاءة فيثبت.
وفي النهاية، السؤال ليس: من يبقى؟
بل: من ينهض بالمكان؟
فالمناصب لا تُحفظ بالأسماء، بل تُحفظ بالإنجاز.
والمؤسسات لا تنهض بحراسة الفشل، بل بتمكين المجتهدين.
ومن أراد الحفاظ على المنصب، فليبحث عن الأكفأ لا الأقرب.
فالتاريخ لا يذكر من جلس طويلًا… بل من أحدث فرقًا.
*كاتب رأي سوري/ فيينا.
كلمات البحث
تعليق / الرد من
إقرأ أيضًا
علي جعفر العلاق... جائزة النيل تتوج شاعرًا جعل من القصيدة وطنًا للإنسان والذاكرة!
الملكة المثيرة للجدل… بين بناء الإمبراطورية ونقض العهود!
الموريسكيون في إسبانيا دراسة تاريخية في الذاكرة والهوية والتحولات المعاصرة..!! د. تمام كيلاني
أوروبا والمسلمون… حين يصبح سؤال المستقبل أكبر من سؤال الاندماج..!! د. تمام كيلاني
من النشر إلى التأثير.. منتدى دولي في فيينا يعيد تعريف البحث العلمي!
ليس كل سوري خبرًا سيئًا… عندما تصبح الصورة الناقصة خطرًا على المجتمع..!! د. تمام كيلاني
المكتب الثقافي المصري في فيينا.. دبلوماسية ثقافية ترسّخ الحضور المصري في أوروبا!!
Persönlichkeiten, die den Weg der islamischen Präsenz in Europa geprägt haben Omar Al-Rawi … Ein Lebensweg im Zeichen von Teilhabe, Dialog und gesellschaftlicher Verantwortung
فيينا… مدينة جودة الحياة تستقبل المؤتمر الثالث والثلاثين لاتحاد الأطباء والصيادلة العرب في النمسا..!! د. تمام كيلاني
الاكثر شهرة
المرأة بين الهشاشة والتنميط في مجموعة " بائعة الورد للكاتبة لطيفة محمد حسيب القاضي
المرأة بين الهشاشة والتنميط في مجموعة " بائعة الورد للكاتبة لطيفة محمد حسيب القاضي قراءة نقدية...
في يوم الطبيب العالمي!! د. تمام كيلاني
في يوم الطبيب العالمي!! د. تمام كيلاني* في يوم الطبيب العالمي، لا نكتب كلماتٍ عابرة، ولا نكت...
الكاتبة سارة المطيري:أن المعرفة لا تُبنى من طريق واحد
الكاتبة سارة المطيري:أن المعرفة لا تُبنى من طريق واحدأجرى الحوار:لطيفة محمد حسيب القاضي في زمنٍ ت...
"أحدهم يحاول أن يخبرنا شيئاً.. عن تقاطع الميتافيزيقي والرمزيّ مع الواقعي، سمية الإسماعيل
"أحدهم يحاول أن يخبرنا شيئاً.. عن تقاطع الميتافيزيقي والرمزيّ مع الواقعي، سمية الإسماعيل*...