سوريا بين الحلم والواقع..!! د. تمام كيلاني

سوريا بين الحلم والواقع..!!  د. تمام كيلاني

سوريا بين الحلم والواقع..!!

 

د. تمام كيلاني*

 

 

 

يُنسَب إلى شكسبير قوله: “الفتاة لا تطلب من الدنيا كلها إلا زوجًا، وعندما يأتي الزوج تطلب منه كل شيء.”

 

وربما تختصر هذه العبارة جانبًا من طبيعة الإنسان؛ فهو عندما يُحرم طويلًا تتراكم في داخله الأمنيات حتى تتحول إلى قائمة لا تنتهي من المطالب. وهذا ما نراه اليوم في الحالة السورية.

 

لقد عاش السوريون أكثر من ستة عقود تحت حكم صادر السياسة، وضيّق على الحريات، وأخضع المجتمع للخوف والصمت. أجيال كاملة وُلدت وكبرت وهي لا تعرف معنى المشاركة الحقيقية في القرار، ولا تعرف كيف يُدار الاختلاف في ظل الحرية، ولا كيف تُبنى الأوطان في ظل التعددية واحترام الرأي الآخر.

 

ستون عامًا من القهر لا تمر مرور الكرام. ستون عامًا من الخوف لا تزول آثارها في يوم واحد. ستون عامًا من الفساد والتراجع الاقتصادي والتصدعات الاجتماعية لا يمكن أن تمحى بقرار أو خطاب أو حكومة أو سنة واحدة من الزمن.

 

ومع ذلك، نجد اليوم من يتعامل مع الواقع وكأن الحرية يجب أن تحل جميع المشكلات فورًا. يريد اقتصادًا مزدهرًا خلال أشهر، ومؤسسات مثالية خلال عام، وعدالة كاملة خلال أيام، وحلولًا فورية لكل أزمة تراكمت عبر عقود طويلة.

 

هذه الرغبة مفهومة، لكنها ليست واقعية.

 

فالحرية ليست مصنعًا للمعجزات، وليست زرًا يُضغط عليه فتتحول الأوطان المرهقة إلى جنات مزدهرة. الحرية هي الفرصة، وليست النتيجة. هي الباب الذي يُفتح، لا الطريق الذي يُقطع. أما الطريق نفسه فيحتاج إلى العمل والصبر والتضحيات والوقت.

 

لقد اعتاد السوري طوال عقود أن يُمنع من الكلام، ولذلك من حقه اليوم أن يتكلم. واعتاد أن يُمنع من النقد، ولذلك من حقه أن ينتقد. واعتاد أن يُحرم من المشاركة، ولذلك من حقه أن يشارك. لكن الحرية لا تكتمل بالمطالبة فقط، بل تكتمل أيضًا بتحمل المسؤولية.

 

ليس من العدل أن نطالب سنة واحدة بإصلاح ما أفسدته ستة عقود. وليس من الحكمة أن نحاكم مرحلة انتقالية بمعايير الاستقرار الكامل. وليس من الإنصاف أن نطلب من الواقع أن يقفز فوق قوانين التاريخ والسياسة والاقتصاد.

 

لقد دفعت سوريا ثمنًا باهظًا، وما زالت تدفع. وما ورثته الأجيال الحالية ليس دولة مستقرة تحتاج إلى بعض الإصلاحات، بل تركة ثقيلة من الأزمات والتحديات والانقسامات والجراح المفتوحة.

 

إن أكبر خطر يواجه الشعوب بعد التحرر ليس نقص الحرية، بل المبالغة في التوقعات. فعندما ترتفع الآمال إلى مستوى المستحيل، يتحول أي تقدم إلى خيبة أمل، ويتحول أي إنجاز إلى مادة للانتقاد، ويصبح النجاح نفسه متهمًا لأنه لم يحقق الكمال.

 

الأمم العظيمة لا تُبنى بالصراخ وحده، ولا بالغضب وحده، ولا بالأمنيات وحدها. تُبنى بالعمل اليومي الصبور، وبإدراك أن طريق الألف ميل يبدأ بخطوة، وأن السنوات التي أضاعت الأوطان لا يمكن تعويضها في أشهر معدودة.

 

إن السوريين يستحقون كل خير، ويستحقون الحرية والكرامة والعدالة والازدهار. لكن استحقاق هذه الأهداف شيء، وتحقيقها شيء آخر. فالتحقيق يحتاج إلى وقت وإرادة وعمل جماعي وإلى مساحة من الصبر تعادل حجم المعاناة التي عاشها الشعب.

 

لقد انتهى زمن الخوف، لكن بناء المستقبل لم يبدأ بعد بالشكل الذي نطمح إليه. وما بين نهاية الاستبداد وبداية النهضة توجد مرحلة طويلة من التحديات يجب أن تُفهم بعقلانية لا بانفعال، وبحكمة لا بتسرع.

 

سوريا لا تحتاج اليوم إلى اليأس، ولا إلى جلد الذات، ولا إلى انتظار المعجزات. إنها تحتاج إلى شعب يؤمن أن الحرية بداية الطريق وليست نهايته، وأن الوطن الذي أنهكته ستة عقود من الاستبداد يحتاج إلى سنوات من البناء حتى يستعيد عافيته.

 

ومن يظن أن الزمن يمكن أن يعود إلى الوراء ليعوض كل ما فات خلال عام واحد، فإنه يحمّل الواقع ما لا يحتمل، ويحمّل الحرية ما لم تعد به يومًا.

 

فالحرية منحت السوريين المساحة، أما صناعة المستقبل فستبقى مسؤوليتهم جميعًا.

 

*رئيس الجمعية الطبيه الاوربيه العربية.

 

 


تعليق / الرد من

إقرأ أيضًا

بوابة دمشق

غربتان في روايتي الأديب الراحل أحمد جميل الحسن! عمر محمد جمعة

غربتان في روايتي الأديب الراحل أحمد جميل الحسن! عمر محمد جمعة
بوابة دمشق

حماه بين أركيلة الليل وصوت الحريه ..!!د. تمام كيلاني

حماه بين أركيلة الليل وصوت الحريه ..!!د. تمام كيلاني
بوابة دمشق

د. تمام كيلاني يقدم أجهزة طبية حديثة لقسم العينية في مشفى المواساة! روعة سنوبر

د. تمام كيلاني يقدم أجهزة طبية حديثة لقسم العينية في مشفى المواساة! روعة سنوبر
بوابة دمشق

سوريا ليست جواز سفر… سوريا وطن لا يُستبدل..!! د. تمام كيلاني

سوريا ليست جواز سفر… سوريا وطن لا يُستبدل..!! د. تمام كيلاني


الاكثر شهرة
المرأة بين الهشاشة والتنميط في مجموعة " بائعة الورد للكاتبة لطيفة محمد حسيب القاضي

  المرأة بين الهشاشة والتنميط  في مجموعة " بائعة الورد للكاتبة لطيفة محمد حسيب القاضي قراءة نقدية...

في يوم الطبيب العالمي!! د. تمام كيلاني

في يوم الطبيب العالمي!!   د. تمام كيلاني*   في يوم الطبيب العالمي، لا نكتب كلماتٍ عابرة، ولا نكت...

الكاتبة سارة المطيري:أن المعرفة لا تُبنى من طريق واحد

 الكاتبة سارة المطيري:أن المعرفة لا تُبنى من طريق واحدأجرى الحوار:لطيفة محمد حسيب القاضي  في زمنٍ ت...

"أحدهم يحاول أن يخبرنا شيئاً.. عن تقاطع الميتافيزيقي والرمزيّ مع الواقعي، سمية الإسماعيل

    "أحدهم يحاول أن يخبرنا شيئاً.. عن تقاطع الميتافيزيقي والرمزيّ مع الواقعي،     سمية الإسماعيل*...

تابعونا


جارٍ التحميل...