عبد الله كويليام.. الرجل الذي أشعل أول مصباح للإسلام في قلب بريطانيا..!! د. تمام كيلاني

عبد الله كويليام.. الرجل الذي أشعل أول مصباح للإسلام في قلب بريطانيا..!! د. تمام كيلاني

عبد الله كويليام.. الرجل الذي أشعل أول مصباح للإسلام في قلب بريطانيا..!!

 

د. تمام كيلاني*

 

 

 

حين يُكتب تاريخ الإسلام في أوروبا الحديثة، فإن بعض الأسماء لا يمكن تجاوزها مهما حاول الزمن أن يطوي صفحاتها. ومن بين تلك الأسماء يبرز اسم عبد الله كويليام، الرجل الذي حمل الإسلام إلى قلب الإمبراطورية البريطانية في زمن كانت فيه الصورة النمطية عن المسلمين مشوهة، والجهل بالإسلام سائداً، والعداء لكل ما هو شرقي جزءاً من الثقافة السياسية والإعلامية الغربية.

 

ولد كويليام في مدينة ليفربول عام 1856 باسم ويليام هنري كويليام، في بيئة بريطانية مرفهة، ونجح في بناء مسيرة مهنية لامعة كمحامٍ معروف. لكن القدر كان يخبئ له طريقاً مختلفاً تماماً. فخلال رحلة إلى المغرب في ثمانينيات القرن التاسع عشر، تعرّف عن قرب إلى المسلمين وحياتهم وقيمهم، ليجد نفسه أمام حقيقة روحية وفكرية غيّرت مجرى حياته إلى الأبد. وفي عام 1887 أعلن إسلامه، واختار اسم عبد الله ليبدأ رحلة جديدة لم يكن يعلم أنها ستجعله أحد أبرز رموز الإسلام في أوروبا.

 

لم يكن إسلام كويليام تجربة شخصية عابرة، بل مشروع حياة كامل. فقد أدرك منذ اللحظة الأولى أن الإسلام في بريطانيا يحتاج إلى من يقدمه للعقول والقلوب بلغة يفهمها البريطانيون أنفسهم. لذلك أسس في ليفربول أول مركز إسلامي متكامل، وتحول هذا المركز عام 1889 إلى أول مسجد فعلي معروف في بريطانيا الحديثة، ليصبح منارة علمية ودعوية واجتماعية استقطبت المسلمين والبريطانيين الباحثين عن الحقيقة.

 

كان كويليام سابقاً لعصره في فهم أهمية الإعلام والثقافة. فأصدر مجلة “الهلال” الأسبوعية، ونشر الكتب والكتيبات والمحاضرات التي خاطبت المجتمع البريطاني بلغته ومنطقه، بعيداً عن الانغلاق أو الصدام. وقد نجح بالفعل في تعريف مئات البريطانيين بالإسلام، وأسهم في اعتناق عدد كبير منهم لهذا الدين، من بينهم شخصيات أكاديمية وثقافية بارزة.

 

ولأن الرجال الكبار لا يمرون دون أن يلفتوا الأنظار، فقد وصلت أصداء جهوده إلى إسطنبول، عاصمة الدولة العثمانية. وهناك أدرك السلطان عبد الحميد الثاني القيمة الاستثنائية لهذا الرجل الذي يدافع عن الإسلام من قلب الغرب، فعيّنه عام 1893 ممثلاً للمسلمين في بريطانيا ومنحه لقب “شيخ الإسلام لبريطانيا”، وهو تكريم يعكس حجم الثقة التي حظي بها ومكانته المتقدمة في العالم الإسلامي آنذاك.

 

كان عبد الله كويليام شخصية استثنائية بكل المقاييس. فقد جمع بين الهوية البريطانية والانتماء الإسلامي دون تناقض، وأثبت أن المسلم قادر على أن يكون جزءاً فاعلاً من مجتمعه مع تمسكه بعقيدته وقيمه. ولم يكن يخشى إعلان مواقفه السياسية والأخلاقية دفاعاً عن المسلمين والدولة العثمانية، رغم ما جرّ عليه ذلك من حملات إعلامية وضغوط سياسية واجتماعية شديدة.

 

ومع تصاعد التوترات الدولية والعداء المتزايد للدولة العثمانية في أوروبا، تعرض كويليام لسلسلة من المضايقات والاستهدافات التي دفعته إلى مغادرة بريطانيا لفترة من الزمن. لكن حتى الغياب لم يطفئ أثره، فقد ظل اسمه حاضراً في ذاكرة المسلمين الأوروبيين بوصفه الرائد الذي وضع الأسس الأولى للعمل الإسلامي المنظم في الغرب.

 

توفي عبد الله كويليام عام 1932، لكن قصته لم تنتهِ عند قبره. فالمسجد الذي أسسه عاد إلى الحياة بعد عقود طويلة من الإهمال، وأصبح رمزاً تاريخياً لبداية الحضور الإسلامي المؤسسي في بريطانيا. أما سيرته، فما زالت تلهم أجيالاً من المسلمين في أوروبا، لأنها تروي حكاية رجل واحد استطاع بالإيمان والعلم والشجاعة أن يفتح نافذة واسعة للإسلام في مجتمع لم يكن يعرف عنه إلا القليل.

 

إن عبد الله كويليام لم يكن مجرد مسلم بريطاني اعتنق الإسلام، بل كان مشروع نهضة متكامل، ورائداً سبق زمانه بعقود طويلة. وقد أثبت أن الأفكار العظيمة لا تحتاج إلى جيوش كي تنتصر، بل تحتاج إلى رجال يؤمنون بها ويضحون من أجلها. ولهذا سيبقى اسمه محفوراً في تاريخ الإسلام الأوروبي باعتباره الرجل الذي أشعل أول مصباح للإسلام الحديث في قلب بريطانيا، فأنار طريقاً ما زال الملايين يسيرون فيه حتى اليوم.

 

*رئيس الجمعية الطبية الأوربية العربية/ فيينا.

 

 

 

عبد الله كويليام.. الرجل الذي أشعل أول مصباح للإسلام في قلب بريطانيا..!! د. تمام كيلاني

تعليق / الرد من

إقرأ أيضًا

بوابة دمشق

محمد أسد.. الرجل الذي عبر من الغرب إلى روح الإسلام. !! د. تمام كيلاني

محمد أسد.. الرجل الذي عبر من الغرب إلى روح الإسلام. !! د. تمام كيلاني
بوابة دمشق

أمينة الجباري: حين تسكن الفراشات النص!! كوثر جعفر

أمينة الجباري: حين تسكن الفراشات النص!! كوثر جعفر
بوابة دمشق

عدنان مندريس.. شهيد الديمقراطية وصوت الأذان الذي عاد إلى سماء تركيا..!! د. تمام كيلاني

عدنان مندريس.. شهيد الديمقراطية وصوت الأذان الذي عاد إلى سماء تركيا..!! د. تمام كيلاني
بوابة دمشق

من باريس إلى دمشق: هل حان وقت مراجعة الشهادات الأكاديمية المشكوك بها..؟! د. تمام كيلاني

من باريس إلى دمشق: هل حان وقت مراجعة الشهادات الأكاديمية المشكوك بها..؟! د. تمام كيلاني
بوابة دمشق

سيغريد هونكه… Sigrid Honke شاهدةٌ للحقيقة في زمن العمى الحضاري..!! د. تمام كيلاني

سيغريد هونكه… Sigrid Honke شاهدةٌ للحقيقة في زمن العمى الحضاري..!! د. تمام كيلاني


الاكثر شهرة
المرأة بين الهشاشة والتنميط في مجموعة " بائعة الورد للكاتبة لطيفة محمد حسيب القاضي

  المرأة بين الهشاشة والتنميط  في مجموعة " بائعة الورد للكاتبة لطيفة محمد حسيب القاضي قراءة نقدية...

في يوم الطبيب العالمي!! د. تمام كيلاني

في يوم الطبيب العالمي!!   د. تمام كيلاني*   في يوم الطبيب العالمي، لا نكتب كلماتٍ عابرة، ولا نكت...

"أحدهم يحاول أن يخبرنا شيئاً.. عن تقاطع الميتافيزيقي والرمزيّ مع الواقعي، سمية الإسماعيل

    "أحدهم يحاول أن يخبرنا شيئاً.. عن تقاطع الميتافيزيقي والرمزيّ مع الواقعي،     سمية الإسماعيل*...

شعبٌ لا ينسى الجميل… لأننا نحبّ الحياة!!..

    شعبٌ لا ينسى الجميل… لأننا نحبّ الحياة!!..   جلال دشان*   "سوريا بلدكم الثاني. قالوا: «من...

تابعونا


جارٍ التحميل...