قلق الفكر العربي :كيف خسرنا السؤال؟ عمر سعيد

قلق الفكر العربي :كيف خسرنا السؤال؟  عمر سعيد

قلق الفكر العربي : كيف خسرنا السؤال؟

 

عمر سعيد*

 

 

 قراءة في محاضرة الدكتور سليمان حسين :

" الفكر العربي المعاصر : المحاور ، الإشكاليات ، الرؤى المستقبلية".

أقيمت في المركز الثقافي العربي في المزة ضمن الصالون الفكري الادبي، بدمشق.

لنعترف ، أنَّ المشكلة الفكرية المرعبة في العالم العربي، تكمنُ في شيء معقّد وخطير؛ فائض الخوف وغياب الجرأة على السؤال!

لا تكمن المشكلة في غياب العقول، فهذه ليست جملة إنشائية، إنّها مفتاح لفهم لماذا يبدو واقعنا أكثر سرعةً من قدرتنا على تفسيره، وأكثر قسوةً من لغتنا التي تحاول احتواءه.

نحن نعيش أزماتٍ كثيرة ، لعل ابرزها "أزمة فكر" فقد وظيفته الأساسية: أن يسأل، أن يُفسّر، أن يقلق، أن يُزعج.

واليوم ليس لدينا نقصٌ في الكلام، أبداً، لدينا فائض هائل منه؛ مقالات، بيانات، تحليلات، برامج، ومنصات لا تتوقف عن إنتاج المحتوى.

لكن خلف هذا الضجيج، هناك فراغ حقيقي: غيابُ المفهوم، غياب السؤال، غياب القدرة على زعزعة ما يبدو بديهياً وعادياً؛ لقد تحوّل جزء كبير من " الفكر العربي" إلى مجرّد خطاب !خطاب يعرف مسبقاً ما يريد قوله، ويتحرك داخل حدود "مرسومة"، ويبحث عن القبول أكثر مما يبحث عن الحقيقة.

هذا هو الفارق الحاسم بين فكرٍ يغيّر الواقع، وخطابٍ يبرّره.

فإذا درسنا " التيارات الفكرية" العربية : الليبرالية، الإسلام السياسي، اليسار، وحتى الفكر الفلسفي النقدي ؛ نجد أنّ كلّاً منها، بطريقته الخاصة، توقّف عن الإصغاء للواقع، وبدأ يفسّر نفسهُ بدل أن يفسّر العالم: الليبرالية بقيت أسيرة نخبتها، الإسلام السياسي علق في مأزق الدولة، اليسار فقد لغته، والفلسفة انسحبت إلى برجها العاجي.

النتيجة؟ واقع يتغيّر بسرعة، وأدوات تفكير لا تزال عالقة في زمن آخر.

لكن القصة لا تتوقف عند حدود الفكر ذاته، فالمشكلة أعمق: إنها علاقة معقّدة بين الفكر والسلطة؛ ففي كثير من الحالات، لا تخاف السلطة من الفكر لأنه قويّ، بل لأنه ( إن استعاد قوته ) قد يصبح كذلك ، ولهذا، يتم ترويضه قبل أن يتمرّد، ولهذا يتم تدجينه وتحويله إلى "فكر آمن" : فكر لا يطرح أسئلة مزعجة، لا يقترب من الخطوط الحمراء، ولا يزعج التوازنات القائمة. وهنا، لا تعود المشكلة في الرقابة فقط، بل في ما هو أخطر: في الرقابة "الذاتية" التي يُمارسها المفكّرُ أوالمثقفُ على نفسه، حين يختار السلامة بدل الحقيقة.

ولنكن أكثر صراحةً:

بعض المثقفين، وإن كانوا ضحايا المرحلة السابقة ، لكنهم أصبحوا جزءاً من المشكلة؛ فحين يتحول المثقف من "ضمير" إلى " وظيفة " ، ومن ناقدٍ إلى مبرّر !، فإنه يفقدُ دوره في تفسير الواقع، ويساهم في تدوير المفاهيم ، وإعادة إنتاج الأزمة.

في هذه اللحظة، سيصبح الفكر عاجزاً عن التغيير، وسيصبح أداةً في تثبيت ما يجب تغييره.

والأكثر ألماً ، أننا في عصر العولمة الرقمية، تزداد المفارقة حدّةً؛ فلم يعد احتكار المعلومة ممكناً، ورغم ذلك، فلم يؤدِّ بالضرورة إلى تعميق الفهم، على العكس، نحن أمام تسطيح غير مسبوق: آراء سريعة، تحليلات فورية، وانفعالات تحلّ محل التفكير.

التكنولوجيا، التي كان يمكن أن تكون أداة تحرّر معرفي، أصبحت في كثير من الأحيان أداة لإعادة إنتاج السطحية الفكرية نفسها، ولكن بسرعة أكبر.

إذاً، ما العمل؟

الإجابة، بالتأكيد، لن تكون في إنتاج المزيد من "الخطابات"...لا !

بداية الحلّ، في استعادة شيء بسيط وعميقٍ في آن واحد: السؤال.

السؤال المفتوح ، وليس المغلق ..

السؤال الذي لا يبحث عن إجابة جاهزة، لكنهُ يفتح أفقاً جديداً للتفكير. السؤال الذي يجرؤ على مساءلة السلطة، والمجتمع، والمثقف نفسه؛ لأنّ اللحظة التي نتوقف فيها عن طرح الأسئلة، هي اللحظة التي يبدأ فيها الفكر بالموت، حتى لو بدا حياً على الورق.

المفارقة أن الأمل لا يزال موجوداً...

إنه في المشاريع الفكرية الكبرى وليس في "الشعارات"، والبداية في إعادة تعريف دور الفكر نفسه، حيث يعود فعل تحريض، بدون تزييناتٍ لغوية، وأن يكون خطراً بما يكفي ليكون مفيداً.

أن يختار "القلق" بدل الطمأنينة، والشكّ بدل اليقين الزائف.

هنا... السؤال الحقيقي ليس: ماذا يحدث في العالم العربي؟ لكنه : لماذا نعجز عن فهم ما يحدث؟

وبين هذين السؤالين، تختبئ قصة أزمة، وربما بداية خلاص.

 

* كاتب فلسطيني.


تعليق / الرد من

إقرأ أيضًا

بوابة دمشق

غربتان في روايتي الأديب الراحل أحمد جميل الحسن! عمر محمد جمعة

غربتان في روايتي الأديب الراحل أحمد جميل الحسن! عمر محمد جمعة
بوابة دمشق

حماه بين أركيلة الليل وصوت الحريه ..!!د. تمام كيلاني

حماه بين أركيلة الليل وصوت الحريه ..!!د. تمام كيلاني
بوابة دمشق

د. تمام كيلاني يقدم أجهزة طبية حديثة لقسم العينية في مشفى المواساة! روعة سنوبر

د. تمام كيلاني يقدم أجهزة طبية حديثة لقسم العينية في مشفى المواساة! روعة سنوبر
بوابة دمشق

سوريا ليست جواز سفر… سوريا وطن لا يُستبدل..!! د. تمام كيلاني

سوريا ليست جواز سفر… سوريا وطن لا يُستبدل..!! د. تمام كيلاني


الاكثر شهرة
المرأة بين الهشاشة والتنميط في مجموعة " بائعة الورد للكاتبة لطيفة محمد حسيب القاضي

  المرأة بين الهشاشة والتنميط  في مجموعة " بائعة الورد للكاتبة لطيفة محمد حسيب القاضي قراءة نقدية...

في يوم الطبيب العالمي!! د. تمام كيلاني

في يوم الطبيب العالمي!!   د. تمام كيلاني*   في يوم الطبيب العالمي، لا نكتب كلماتٍ عابرة، ولا نكت...

الكاتبة سارة المطيري:أن المعرفة لا تُبنى من طريق واحد

 الكاتبة سارة المطيري:أن المعرفة لا تُبنى من طريق واحدأجرى الحوار:لطيفة محمد حسيب القاضي  في زمنٍ ت...

"أحدهم يحاول أن يخبرنا شيئاً.. عن تقاطع الميتافيزيقي والرمزيّ مع الواقعي، سمية الإسماعيل

    "أحدهم يحاول أن يخبرنا شيئاً.. عن تقاطع الميتافيزيقي والرمزيّ مع الواقعي،     سمية الإسماعيل*...

تابعونا


جارٍ التحميل...